يكشف المسؤولون الاسرائيليون أمام من يلتقونهم من الوسطاء، أنهم لا يثقون بالجيش اللبناني لا من حيث القدرة، ولا من حيث الرغبة في التعرض لميليشيا “حزب الله” تحت أي ظرف من الظروف، وأنهم يعتبرون قوات “اليونيفيل” في الجنوب أقرب الى سياح في مهمة استجمامية منهم الى حراس في مهمة أمنية.
ويذهب هؤلاء بعيداً في مزاعمهم الى حد القول ان هذا الجيش الذي نشأ بعد اتفاق الطائف برعاية سوريا وحلفائها اللبنانيين، بات صاحب “عقيدة متماهية” مع الخط الممانع ومنسجمة مع شعار “الشعب والجيش والمقاومة” الذي فرضه “حزب الله” في كل بيان وزاري تبنته الحكومات المتعاقبة سواء حكومات اللون الواحد أو حكومات الوفاق الوطني على الرغم من تحفظات شكلية من هنا وهناك.
ويضيف هؤلاء ان القوات الدولية في الجنوب كانت “مجرد شهود زور تراقب ولا ترى وتحاول ولا تُقدم”، مكتفيةً بتقديم تقارير الى الأمم المتحدة عما تراه وتلمسه من خروق من دون أي اجراءات ردعية أو صدامية، متهمين بعض عناصرها بالتعاطف مع البيئة التي يقيمون فيها بفعل المصاهرة أو بالتغاضي عن تجاوزاتها بفعل الخوف في مكان أو بفعل النأي بالنفس في آخر، اضافة الى اتهام الأمم المتحدة نفسها بعدم الجدية في احترام وتطبيق القرارات التي تتخذها في لبنان، ومنها القرارات ١٧٠١ و١٥٥٩ و١٦٨٠.
وتشير مصادر قريبة من مداولات الوسطاء مع الدولة العبرية، الى أن اسرائيل تتخذ من معظم الضباط المتقاعدين الذين يظهرون على الشاشات اللبنانية مثالاً على “عقيدة” الجيش القائمة على العداء لاسرائيل والتعاطف مع “حزب الله” على الرغم من سطوة الأخير على دوره الأمني والتقليل من شأنه في الاستحقافات الاستراتيجية، لافتة الى أن هذا الأمر ينطبق على المسلمين منهم والمسيحيين خصوصاً هؤلاء الذين يدينون بالولاء للرئيس السابق ميشال عون الذي كان الضابط المسيحي الأكثر تهميشاً لدور الجيش لمصلحة الميليشيا الشيعية.
وانطلاقاً من هذه الادعاءات والأجواء، يقول مصدر أمني غربي، ان ما يتعرض له الجيش اللبناني من هجمات اسرائيلية دامية مباشرة يهدف الى أمرين: الأول يكمن في إفهام الجهات الدولية التي تدعمه أنه لن يكون خطاً أحمر عندما ينتشر في الجنوب بعد وقف اطلاق النار، ويكمن الثاني في تحذيره من تقديم أو تسهيل أي عمليات عسكرية قد يحتاج اليها “حزب الله” في الحرب البرية الدائرة في الجنوب، أو القيام بأي تحركات قد تعوق تقدم القوات الاسرائيلية بعيداً من الحدود المشتركة.
والواقع أن في هذا العرض الكثير من التجني، في وقت لم تعد سراً الأسباب التي تحول دون تعويم الجيش عسكرياً ومعنوياً، وفي مقدمها الخوف الدولي من أن يستخدم أي سلاح نوعي يحصل عليه في مواجهة اسرائيل أو أن يقع في قبضة الحزب وايران، ما يعني عملياً أن تل ابيب وطهران تتشاركان في تحييد المؤسسة العسكرية الشرعية، وأن الولايات المتحدة لا تبدو بدورها متحمسة لقيام جيش قوي في لبنان يدين بالولاء لسلطة سياسية خاضعة مرة لسلطة سوريا ومرة لسلطة طهران، قبل ان تضمن له غطاء سياسياً وطنياً.
ويكشف مصدر أمني لبناني مخضرم، أن ما يقيد الجيش، ليس “حزب الله” ولا اسرائيل ولا الولايات المتحدة، بل السلطة السياسية التي تولت الحكم بعد اتفاق الطائف، موضحاً أنه يملك من القوة عديداً وعتاداً وتدريباً وكفاءة ما يكفي لفرض سلطته بالقوة على كامل الأراضي اللبنانية وانتزاع دهشة الجميع، اذا تلقى أمراً سياسياً من حكومة لا تشكلها الممانعة أو من رئيس لا تختاره. وأضاف ان المقاومة الاسلامية تعرف ذلك وتجهد لحرمانه من السلاح أولاً ومن الصلاحيات ثانياً، وأن اسرائيل تعرف ذلك وتحرص على أن يستخدم سلاحه وأن يوسع صلاحياته ولو أدى ذلك الى انقسامه أو الى تفجير حرب أهلية طاحنة في البلاد.
والسؤال هنا، ما هو المطلوب من هذا الجيش العالق بين ميليشيا تهمشه وعدو اسرائيلي ينهشه، وماذا يمكن أن تكون عليه السلطة السياسية بعد وقف اطلاق النار؟
الواضح أن انعطافة الشيخ نعيم قاسم نحو الداخل، كانت، على الرغم مما فيها من تحولات جديدة، تهدف الى أمرين، الأول الحؤول دون قيام سلطة سياسية تأخذ الجيش الى قرارات لا يريدها على غرار ما حدث في نهر البارد، والثاني الخوف من وصول قائد “متهور” يقود جيشه نحو حرب داخلية تدميرية على غرار ما فعل ميشال عون عندما انقضّ على ميليشيا “القوات اللبنانية”.
وانطلاقاً من هذا المشهد يمكن فهم لعبة شد الحبال بين المعارضة والموالاة في موضوع الرئاسة الأولى التي تشكل مدخلاً الى اليوم الذي يلي الحرب ويحدد توجهات الدولة على مستوى المؤسسات والجيش معاً، اضافة الى فهم الأسباب التي فتحت خزائن الغرب فجأة لتمويل المؤسسة العسكرية الشرعية من دون أي خوف من “حزب الله” أو أي تشكيك من اسرائيل.
وانطلاقاً من هذا المشهد أيضاً، يمكن فهم اصرار اسرائيل على تطبيق القرار ١٧٠١ بالقوة، واصرار “حزب الله” على الصمود الأولى كي تفهم الجميع أنها ليست في حاجة الى الجيش لحماية أرض محروقة بل الى قوة دولية صديقة والى حرية الحركة الذاتية، والثاني أن يفهم الجميع أن دوره لم ينتهِ وأنه لن يسلم أمن الجنوب لأحد الا وفق شروطه.
اذاً الجيش عالق في الوسط، في انتظار ما تسفر عنه معركة الفيلة في الجنوب، ومعركة الأضداد في البرلمان، لكنه هذه المرة لن يكون مجرد جزء من حل أو مجرد جزء من محور، بل سيكون هو الحل كما يريده لبنان الجديد سيداً، لا كما شاءه ميشال عون متزلماً خلال حرب الالغاء، ولا كما شاءه حسن نصر الله متفرجاً في “غزوة” بيروت.
هذه المرة لا مكان لأحد يمكن أن يهاجم آل سعود لمنعهم من تسليح الجيش، ولا مكان لأحد يمكن أن يهاجم “الشيطان الأكبر” منعاً لتحريره، انه الزمن الذي بات فيه الجيش بقيادة جوزيف عون بديل الجميع في لبنان وند الجميع في الخارج، فهل حان الوقت ليجعل شعار “الأمر لي” أمراً له لا ينازعه فيه جيش آخر أو سيد آخر؟


