استفاق العالم صبيحة يوم الجمعة 29 تشرين الثاني 2024 على خبر سقوط مدينة حلب الشهباء بيد المعارضة السورية المسلحة بزعامة “هيئة تحرير الشام” المقربة من تركيا. ففي الوقت الذي تنشغل فيه روسيا بحربها على أوكرانيا وتزايد الضغط الدولي من أجل ترسيم النفوذ الإيراني في المنطقة وعلى وقع وقف إطلاق النار بين إسرائيل و”حزب الله” الذي تقلص وجوده في سوريا بفعل جبهة إسناد غزة، هبَّ ثوار حلب إلى ما أسموه “ردع العدوان”، فهل تقلب حلب موازين قوى المحور؟
تختلف مفاهيم التحرير والسقوط وفقاً لرؤية الطرف المنتصر، ففي أواخر العام 2016 أعاد النظام السوري السيطرة على حلب معلناً تحريرها من الارهابيين. اليوم وبعد مرور ثماني سنوات، أعلن الثوار تحرير حلب المدينة نفسها التي يعتبر خسارتها كل طرف سقوطاً في أيدي العدو.
وتعتبر تركيا الدولة الجارة والأقرب إلى حلب المستفيد الأول من خروجها عن سيطرة دمشق لأسباب استراتيجية عدة:
- سياسية، بحيث تريد إشراك حلفائها في السلطة التي يعمل على إنشائها في سياق محادثات أستانة الهادفة إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء تعديلات جوهرية في الدستور السوري وذلك بعد تجاوز مطلب تنحي بشار الأسد عن الحكم، كما تسعى إلى إيجاد تسوية مع النظام للاجئين السوريين لديها.
- اقتصادية، بحيث تشكل مدينة حلب الخاصرة الاقتصادية لتركيا في خطين معاكسين، فهي بالدرجة الأولى تريد إعادة اليد العاملة والصناعية الحلبية في تركيا التي باتت تنافس العمالة التركية، في المقابل تريد استعادة أسواق حلب لتصريف إنتاجها على اعتبار أنها لطالما جذبت التجار ورؤوس الأموال.
- أمنية، بحيث إن قضية الأمن الحدودي تعتبر أم القضايا التي تشغل تركيا على وجه الخصوص الجماعات الكردية وقوات سوريا الديموقراطية “قسد” المدعومة من الولايات المتحدة والخارجة عن سيطرة دمشق، وهي في تولي حليفتها “هيئة تحرير الشام” تمسك بحدودها وتمنع تسلل الكرد وتوقف تهديدهم.
إلا أن لإيران قائدة محور المقاومة الذي يتلقى الضربات تلو الأخرى، مفهوماً آخر لسقوط حلب بيد الثوار على اعتبار أنها شكلت موقعاً استراتيجياً للوجود الإيراني في سوريا بحيث أدارت الميليشيات عملياتها من حلب ولها قنصلية ومراكز تحمل ظاهرياً صفات اجتماعية وثقافية عدة.
ظلت الجمهورية الاسلامية تعيش حالة نكران خسارة حلب وتقدم قوات المعارضة المسلحة حتى اضطرارها إلى إعلان مقتل العميد في الحرس الثوري الايراني كيومرث بور هاشمي الذي يعتبر أحد أبرز القادة في صد عملية “ردع العدوان”.
مشاهد غير مسبوقة منذ ثماني سنوات تداولها العالم عبر وسائل الاعلام بأنواعه ووسائله كافة بحيث انتشرت مقاطع فيديو تظهر تمزيق صور بشار الأسد وعلي خامنئي، ما أثار غضباً كبيراً في صفوف النظام الايراني. وفي أحد مقاطع الفيديو، يظهر مقاتل سوري وهو يوجه رسالة ساخرة إلى خامنئي قائلاً: “طريق القدس لا يمر عبر سوريا”.
وعلى الرغم من محاولات ممارسة التعتيم الاعلامي، بدأ الاعلام الايراني بالاعتراف بتأثير الهزائم المتلاحقة على النظام. وكالة “بولتن نيوز” التابعة للمخابرات الايرانية قالت: “إن التحولات الأخيرة في شمال سوريا، خصوصاً في محيط حلب، تعكس تغييرات كبيرة في ميزان القوى بحيث سقط بعض القرى والبلدات المهمة مثل خان العسل وخان طومان”.
أما محلل السياسات الحكومية في إيران جلال خوش جهره فقد حذر من أن التطورات في سوريا قد تكون بداية لمسار جديد من النزاعات في المنطقة وربما يمتد إلى العراق، معتبراً أن المنطقة ستظل حبلى بالأحداث المتسارعة.
إن أهمية التحرير الاستراتيجي لحلب تكمن في تصريحات قائد الحرس الثوري الايراني حسين سلامي الذي قال عام 2016: “من يسيطر على حلب يتحكم في شمال سوريا، ومن يسيطر على دمشق يتحكم في جنوبها”. وعليه تظهر هذه التصريحات الأهمية البالغة للمدينة في الخريطة السياسية والعسكرية السورية بحيث تعتبر نقطة ارتكاز تحدد مواقع القوى المتصارعة في البلاد.
تحرير حلب لم يكن مجرد انتصار للمعارضة السورية، بل كان بمثابة ضربة قوية للنظام الايراني الذي يفقد إحدى أبرز نقاط استراتيجيته في المنطقة. هذه التطورات تؤكد أن وكلاء إيران يواجهون تحديات متزايدة مع تقدم قوى المعارضة، في حين أن الضربات التي تتلقاها الميليشيات الايرانية تجعل من النفوذ الايراني محاصراً في زاوية المصالح الغربية والعربية وحتى بشار الأسد الذي ضاق ذرعاً بالايرانيين.


