بعد سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، وانتهاء حكم دام 53 عاماً، بدأ التساؤل عن مصير الاتفاقيات اللبنانية – السورية التي يتجاوز عددها الـ 40، والتي باتت رهن الإلغاء أو التعديل. أبرز هذه الاتفاقيات: “معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق”، “اتفاقية الدفاع والأمن”، “اتفاق التعاون والتنسيق الاقتصادي والاجتماعي” و”اتفاق نقل الأشخاص المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية”. يقول العديد من السياسيين اللبنانيين، لا سيما معارضو النظام السابق، إن غالبية الاتفاقيات كانت لصالح سوريا على حساب لبنان. وإن كانت هناك بنود فيها لصالح لبنان، فقد بقيت حبراً على ورق. وتطالب عدة قوى لبنانية بإعادة النظر فيها، إما لإلغائها أو تعديلها. ويبدو أن رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” السابق وليد جنبلاط، بدأ أولى الخطوات نحو هذا الأمر إثر لقائه القائد العام لإدارة سوريا الجديدة أحمد الشرع.
تندرج الاتفاقيات اللبنانية – السورية تحت الاتفاقيات الدولية، وبالتالي تعتبر اتفاقاً ملزماً بين الدول القومية يشكّل أساس القانون الدولي. ويتم توفير سلطة إنفاذ هذه المعاهدات من خلال التزام كل طرف موقع بالمعاهدة. وهناك محاكم التحكيم الدولية للنظر في نقض المعاهدات الدولية. وتُعتبر اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969 القانون الذي ينظم عملية إبرام المعاهدات الدولية. ويمكن تحديد الأساس القانوني لاختصاص محكمة العدل الدولية بالفصل في النزاع الخاص بمسائل المعاهدات والاتفاقيات الدولية التي تتعارض مع قاعدة آمرة من قواعد القانون الدولي العام. إذ نصت الفقرة (أ) من المادة 66 من الاتفاقية على أنه: “يجوز لأي طرف من الأطراف في نزاع يتصل بتطبيق أو تفسير المادتين 53 و64 أن يرفع كتابة إلى محكمة العدل الدولية”. وبموجب هذه الفقرة، يصبح اختصاص محكمة العدل الدولية في نظر النزاع إلزامياً، خلافاً للأصل العام لهذا الاختصاص كونه اختيارياً. ويُعزى السبب الدافع إلى تقرير الولاية الإلزامية للمحكمة في نظر هذا النزاع إلى الضرر الجسيم الذي يرتّبه إبرام مثل تلك المعاهدات على مجموع المصالح الأساسية التي يقوم عليها كيان المجتمع الدولي، وهو ما يُسمى بالنظام العام.
قواعد النظام العام الدولي ترمي إلى تحقيق مصلحة عامة للمجتمع الدولي بأسره، وبالتالي يجب على جميع الدول احترام كل ما يتعلق به حتى لو اضطرت إلى التضحية بمصالحها الخاصة. فالقاعدة الدولية التي تحرّم استخدام القوة ضد دولة أخرى، مثلاً، هي قاعدة آمرة لا يجوز للدول الاتفاق على مخالفتها، لأن ضرر هذا الفعل لا يقتصر على الدولة المعتدى عليها فقط، بل يمتد إلى المجتمع الدولي بأسره، لما يترتب عليه من إخلال خطير بالسلم والأمن الدوليين، الذي يُعدّ عدم المساس به من المصالح الأساسية للمجتمع الدولي.
تنتهي المعاهدات بعدة طرق وأشكال: برضا الطرفين، الانسحاب، أو فسخ المعاهدة. إذا كانت الاتفاقية غير محدودة المدة، تتمتع كل دولة طرف، في ممارستها للسيادة الوطنية، بالحق في الانسحاب منها إذا ما قررت أن أحداثاً استثنائية تتصل بموضوع الاتفاقية قد عرضت مصالح بلدها العليا للخطر.
الانسحاب من المعاهدات الدولية ليس أمراً غريباً؛ فهو يحصل عندما تتغير مصالح الدول، لا سيما أن المحكمة الدولية المختصة بالنظر في النزاعات حول الاتفاقيات لا تمتلك أدوات تنفيذية. فقد انسحبت الولايات المتحدة في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب من 9 اتفاقيات دولية، أبرزها “الاتفاق النووي الإيراني”، اتفاقية “الشراكة عبر المحيط الهادئ”، وهي اتفاقية تجارية تضم 12 دولة مطلة على المحيط الهادئ، ووصفها بأنها “صفقة سيئة” لأميركا. كذلك انسحب ترامب من اتفاقية “باريس للمناخ”، التي وقعت عليها وشاركت فيها 171 دولة، بالاضافة إلى الانسحاب من اتفاقية “الحد من التسلح” مع روسيا بذريعة خرق موسكو لهذه الاتفاقية. إلى ذلك، قررت روسيا أيضاً الانسحاب من معاهدة “الأجواء المفتوحة” الدفاعية، التي تسمح بالتحقق من التحركات العسكرية وتدابير الحد من التسلح في الدول الموقّعة عليها، موضحة أن قرارها جاء نتيجة قرار مماثل اتخذته الولايات المتحدة.
ويوضح الباحث في العلاقات الدولية الدكتور علي حمود، في حديث لموقع “لبنان الكبير” أن اتفاقية فيينا ترعى الاتفاقيات الدولية، إلا أنها تنظم تعديلها أيضاً، مشيراً إلى وجود 5 حالات تجيز نقض تلك الاتفاقيات وتأتي في خانة الاستثناءات؛ أهمها: استحالة التنفيذ، استقواء فريق على آخر، تبدّل الظروف، وجود أسباب قاهرة ونقض الاتفاقية من أحد الطرفين.
إذاً، مما سبق، لا مانع من إلغاء الاتفاقيات الدولية أو التعديل عليها برضا الأطراف الموقعة عليها. أما إذا لم تكن برغبة كل الأطراف، فقد يكون الأمر أكثر تعقيداً من ناحية القانون الدولي. إلا أن الأمر يبقى في ساحات الديبلوماسية العالمية، بحيث يمكن لهذا الطرف عدم تنفيذ الاتفاقية، ولا وجود لقوة تُلزمه بتنفيذها، وذلك لضعف إمكانات المحكمة الدولية المختصة. أما في حالة سوريا الجديدة والاتفاقيات القائمة بين لبنان والنظام السابق، فلا يبدو أن الأمر سيكون معقداً، اذ إن الاتفاقيات أُبرمت أصلاً في ظروف مختلفة، ومن المرجح أن يتم إعادة النظر في هذه الاتفاقيات، عدا عن تثبيت قواعد وآليات التنفيذ.


