انبثق المجلس الأعلى السوري اللبناني من المادة السادسة من معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بين الجمهورية العربية السورية والجمهورية اللبنانية عام 1991. ويتألف المجلس من رئيسي جمهورية البلدين، رئيسي حكومتي البلدين ونائبيهما، بالاضافة إلى رئيس مجلس النواب اللبناني ورئيس مجلس الشعب السوري. وحسب المهام الرسمية المنوطة به، يضع المجلس السياسة العامة للتنسيق والتعاون بين الدولتين في المجالات كافة (السياسية، الاقتصادية، الاجتماعية وغيرها)، ويشرف على تنفيذها. تُعد قراراته إلزامية ونافذة المفعول ضمن إطار النظم الدستورية لكل من البلدين.
وعلى الرغم من كل الأحداث والتوترات التي وقعت بين البلدين، لا يزال المجلس قائماً حتى يومنا هذا. إلا أن وجوده أصبح شكلياً أكثر منه عملي منذ العام 2005، ويشكّل هدراً بنحو 600 ألف دولار سنوياً على الدولة اللبنانية، من دون أن تتخذ الدولة أي خطوة لإلغائه، حتى بعد سقوط النظام السوري.
النائب السابق غسان مخيبر أوضح لـ”لبنان الكبير” أن عمه الراحل ألبير مخيبر كان النائب الوحيد الذي رفض عام 1991 التصويت للمصادقة على الاتفاقية التي أنشأت المجلس، بناءً على دراسة قانونية ودستورية أعدّها معه، والتي بيّنت أن الاتفاقية مخالفة للدستور اللبناني ووجوب ردها. وقد طلب رئيس مجلس النواب حينها حسين الحسيني، من النائب ألبير مخيبر عدم كسر الإجماع الوطني حول الاتفاقية، إلا أن الأخير ردّ بأنه يصوّت بالتحديد لكسر هذا الإجماع.
وفي العام 2010، عندما كان النائب غسان مخيبر عضواً في البرلمان، قدّم مذكرة الى رئيس الجمهورية ميشال سليمان يطالب فيها بإعادة النظر في الاتفاقية وإلغاء المجلس الأعلى للأسباب المذكورة نفسها، باعتبار الاتفاقية مخالفة للدستور.
وأشار مخيبر إلى أن الاتفاقية جعلت المجلس الأعلى هيئة تقريرية في المواضيع المهمة والخطيرة، ما أدى إلى إقامة نظام يشبه الكونفدرالية بين لبنان وسوريا، تتحكم فيه الأخيرة عملياً. فمثلاً، الفقرة “د” من المادة السادسة تنص على أن قرارات المجلس الأعلى إلزامية ونافذة ضمن النظم الدستورية للبلدين. وكانت للمجلس تكوينات غريبة، مثل الجمع بين السلطات التنفيذية والتشريعية في هيكله. كما أن الاتفاقية كرّست وضع اليد الأمنية والعسكرية للجيش السوري، في حين كان اللبنانيون يطالبون بانسحابه.
وعند توقيع هذه الاتفاقية بين الرئيسين إلياس الهراوي وحافظ الأسد، كانت أشبه بإعلان وحدة حال أكثر منها اتفاقية تعاون. وفعلياً لم يعمل هذا المجلس بصورة فاعلة لأن السيطرة السورية كانت كاملة على لبنان. وبعد انسحاب الجيش السوري عام 2005، تلاشت هذه العلاقات ولم يعد للمجلس سوى دور بروتوكولي محدود، بحسب مخيبر، الذي شدد على وجوب أن تُبنى العلاقات اللبنانية – السورية على أسس جديدة، تحترم سيادة الدولتين، بعيداً من هذه الاتفاقيات والمجلس الأعلى.
أما الباحث والكاتب السياسي الدكتور ميشال شماعي فقال: “إن العلاقات المستقبلية تعتمد على شكل الدولة السورية المقبلة: هل ستكون ديموقراطية؟ نظام برلماني؟ لامركزي؟ فيدرالي؟ أم نظام قائم على الاسلام السياسي كما حدث في مصر مع محمد مرسي؟”. وأكد أن أي دولة سورية مكتملة الأركان ستعيد صياغة العلاقات اللبنانية – السورية على أساس الندية، ما يعني أن الاتفاقات السابقة، بما فيها المجلس الأعلى، ستصبح بحكم الساقطة.
وذكّر شماعي بأن المجلس الأعلى كان يكرّس وضع لبنان كدولة ملحقة بالنظام السوري، واستُغلّ في خدمة مصالح النظام على حساب سيادة لبنان، مشيراً إلى أن المجلس فقد مفاعيله عملياً بعد العام 2005، لكنه عاد ليشتغل بعد انقلاب 7 أيار واتفاق الدوحة، عبر هيمنة “حزب الله”.
ورأى أن تصريحات رئيس الادارة السورية الجديدة أحمد الشرع، الداعية إلى بناء دولة مدنية وعلاقات ندية مع لبنان، تبدو مشجعة، إلا أن كل شيء يعتمد على شكل الدولة السورية الجديدة.
يبدو أن المجلس الأعلى اللبناني السوري فقد مبررات وجوده منذ سنوات طويلة، وأصبح مجرد عبء مالي يُكلّف لبنان نحو 600 ألف دولار سنوياً. وفي ظل الأزمة الاقتصادية والمالية التي تعاني منها الدولة، يجب اتخاذ قرار بإلغائه وتوجيه الموارد إلى أولويات أكثر إلحاحاً.


