الرئاسة… البحث عن الشرع الماروني!

أنطوني جعجع
مجلس النواب وكرسي بعبدا

يكشف مصدر ديبلوماسي مطلع أن قائد الجيش العماد جوزيف عون لم يعطِ خلال جولاته الخارجية موقفاً حاسماً من تطبيق القرار ١٧٠١، موضحاً أن الجيش الذي لا يملك من القوة ما يكفي لا في مواجهة اسرائيل ولا في مواجهة “حزب الله”، قد ينتهي به الأمر أيضاً الى الانقسام.

ويضيف المصدر الديبلوماسي أن محاوريه الأجانب والعرب يقرون في كواليسهم بأن المرشح المؤهل لمثل هذه المهمة، لا يستطيعون الوصول به الى قصر بعبدا سواء بالقوة أو بالحسنى والمقصود هنا سمير جعجع بالدرجة الأولى وسامي الجميل بالدرجة الثانية.

هذا الجو نقل الى “حزب الله” الذي رفع الفيتو عن قائد الجيش ووضعه على جعجع، متخلصاً بذلك من هاجسين، الأول عبر الركون الى أحدهما والحد من اندفاعته هو قائد الجيش، والثاني عبر استبعاد من لا يملك أي فرصة متاحة لتولي الرئاسة الأولى في البلاد أي جعجع.

والسؤال هنا: هل سلبيات عون في الخارج واستحالات جعجع على أبواب بعبدا، هي ما أوصلت الاستحقاق الرئاسي الى هذه الزاوية التي انطلق منها “حزب الله” ليرشح من يشاء ويشترط ما يشاء؟

الجواب طبعاً لا، اذ ان عوامل عدة أسهمت في اعادة وفيق صفا الى الساح اللبنانية، أولها تشرذم المعارضة وامتناعها عن التقاط اللحظة والضغط الكثيف والمباشر لفرض الانتخاب الرئاسي بالقوة، وثانيها امتثال الرئيس نجيب ميقاتي لضغوط “حزب الله” والمساهمة في ابطاء انتشار الجيش في الجنوب وفتح الباب أمام الخروق الاسرائيلية التي استفاد منها نعيم قاسم لتبرير الاحتفاظ بالسلاح والتلاعب ببنود اتفاق وقف النار، والظهور بمظهر الطرف العسكري الذي يمثل حاجة استراتيجية أكثر منه قوة عسكرية بديلة أو متطفلة أو مرتزقة.

ولا يظنن أحد أن “حزب الله” يفكر في استئناف الحرب مع اسرائيل أو الرد على الخروق أو عمليات التوغل، اذ ان الرد سيعني القضاء على ما تبقى من سلاحه ورجاله، هو الذي تكبد نحو خمسة عشر ألف عنصر وقيادي بين قتيل وجريح ومعاق، وان عدم الرد يعني أن أحداً لا يمكن أن يبحث في تطبيق القرار ١٥٥٩ ما دام الاحتلال الاسرائيلي رابضاً على شبر واحد من أرض لبنان.

ولا يظنن أحد أن خلفاء حسن نصر الله في وارد التسليم بأي قرار لا يخرج من رحم الممانعة أو التسليم بسلطة الجيش على أي مرفق حيوي في البلاد سواء كان المطار أو المرفأ أو الحدود البرية، معتبراً أن ما يجري الآن ليس الا شراء للوقت الذي يحتاج اليه لتحقيق أمرين جوهريين: الأول احياء الدور الايراني في لبنان، ليس لمحاربة اسرائيل واسترجاع الأرض المحتلة، والثاني انتخاب من يمكن أن يكون “الشرع الماروني” الذي يسهل العودة الى سوريا وفك الطوق عن محور الممانعة وتحديداً عن ايران التي بدأت تتحدث عن قدرات بشرية لديها قادرة على تغيير المعادلات في سوريا.

والواقع أن ما يريده “حزب الله” وفق شبه اجماع محلي وخارجي هو ما كان يريده من الأساس، أي السيطرة على لبنان وتحويله الى ملحق كامل المواصفات في المشروع العقائدي الايراني، وهو ما يلوّح به بعض الممانعين المقربين الذي يعيد السياديين بالذاكرة الى ذكرى “السادس من شباط” في العام ١٩٨٤، أي اسقاط اتفاق “السابع عشر من أيار” والى “السابع من أيار” ذكرى اجتياح بيروت وتفكيك زخم “الرابع عشر من آذار”.

وما يعزز هذه الفرضية أن رفع الفيتو عن عون يعني مبدئياً فك الارتباط مع النائب جبران باسيل المعترض الأشرس على انتخاب قائد الجيش ومع سليمان فرنجية الذي سُحب من التداول بطريقة غير مباشرة، ما يعني عملياً أن “حزب الله” تجرد من كل الغطاءات المسيحية وآثر التقوقع داخل البيئة الشيعية التي يحاول بها التحكم بقرارات الدولة من دون شركاء يعتقد أنهم لم يكونوا على قدر الثقة خلال محنته الأخيرة.

وهذا ما يفسر، الاصرار على اجراء الانتخابات الرئاسية الخميس المقبل باعتباره الموعد الأمثل لاختيار أو تهريب رئيس “لين” يركن اليه أو على الأقل يكسب من خلال تردده أو تحفظاته ما يحتاج اليه من وقت أو ما يكفي من القوة التي تمنع الفريق السيادي وحلفاءه العرب والدوليين من أمرين أساسيين: الأول تسليح الجيش وتحضيره لتولي الأمن الكامل والشامل في البلاد، والدعوة الى انتخابات تشريعية مبكرة يعرف تماماً أنها لن تعطيه الصوت الشيعي الصافي ولا الغالبية التي يطمح اليها.

من هنا، يرشح من مصادر ديبلوماسية مطلعة، أن ثمة تهريبة يعمل على انضاجها محور الممانعة وتهدف الى اجراء مناورات وتمويهات تسفر في النهاية عن مفاجآت تأتي برئيس من خانة نعمت افرام وزياد بارود وسمير عساف وجورج خوري، اذا تعذر انتخاب جوزيف عون وهو ما يعد مكسباً جوهرياً للفريق الشيعي وحلفائه.

لكن المعارضة، تقول المصادر عينها، تتنبه الى هذا الأمر، وتعتبر أن رفع الفيتو عن عون كان يهدف في الواقع الى الضغط على الرئيس نبيه بري وحمله على السير بقائد الجيش انطلاقاً من هدفين: الأول مهادنة الأميركيين الذين يزكون عون، وقطع الطريق على اللواء الياس البيسري الذي أفاد آخر الاحصاءات بأنه يحظى بسبعة وستين صوتاً والذي تدعمه قطر الداعم الرئيس للنظام الجديد في سوريا.

وكشف مصدر قريب من الضاحية أن “حزب الله” لا يمكن أن يسلم باللواء البيسري الذي كاد يفقد حياته في محاولة الاغتيال التي طاولت وزير الدفاع آنذاك الياس المر، وهي المحاولة التي تردد على نطاق واسع أنها من تنفيذ المقاومة الاسلامية اللبنانية، اضافة الى أن الاجراءات الأخيرة التي اتخذها على الحدود لمنع أنصار النظام السوري المخلوع من دخول لبنان، لم يكن خبراً طيباً في كواليس وفيق صفا الذي تحول فجأة الى “غازي كنعان الشيعي” في لبنان.

وسط هذه الأجواء، لا يبدو أن الدخان الأبيض سيخرج من مئذنة البرلمان الخميس المقبل في وقت يحظى الفريقان بقدرة التأجيل من خلال تعطيل النصاب، اذ ان الممانعين لن يسمحوا بوصول جهاد أزعور الى بعبدا ولن يسمح المعارضون بوصول مرشح خضع لشروط الفريق الآخر.

أمران فقط يمكن أن ينتجا رئيساً الخميس، الأول تنازل ايران عن برنامجها النووي وفك ارتباطها بالحوثيين و”حزب الله” في مقابل رئيس وسطي في بيروت، والثاني ضرب المنشآت النووية وتحريك الشارع الايراني في شكل يعطي المعارضة والمترددين الفرصة لاختيار رئيس يعرف أن بناء قواعد عسكرية أميركية في كوباني الكردية والامساك بقرار وقف اطلاق النار في الجنوب، ليسا عملاً عادياً يحتمل وصول رئيس عادي الى بعبدا.

معركة الخميس، لن تكون الا نسخة عن الوضع بعد حرب الاسناد، أي مواجهة بين فريق يحاول تحويل الهزيمة الى انتصار وفريق يحاول استثمار انتصار ليس من صنعه.

شارك المقال