هل يمكن أن يهدر الرئيس جوزاف عون فرصة تاريخية لسحب لبنان من طوق الوصايات والميليشيات الى دولة القرار الحر أو على الأقل الى الدولة التي تعرف كيف تقبض ثمن المتغيرات الاقليمية والدولية بدل أن تدفع ثمنها أو أن تتفرج عليها وهي تمر كما المياه من تحت أقدامها؟
سؤال يطرح نفسه لحظة سقط الخيار على العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية اللبنانية، في واحدة من أهم المفاصل الدراماتيكية التي يمر بها لبنان منذ تراجع الدور العربي وانكفأ الدور الغربي لمصلحة محور الممانعة الذي قادته ايران بدءاً من العام ٢٠٠٥ .
فلبنان اليوم لا يشبه لبنان الأمس، وايران اليوم لا تشبه ايران الأمس، و”حزب الله” بعد “الثامن من تشرين” لا يشبه ما كان عليه قبل سقوط قائده حسن نصر الله في الضاحية الجنوبية، وقبل مقتل حليفه يحيى السنوار في غزة، وقبل فرار حليفه بشار الأسد من دمشق، ولن يكون في حال أفضل اذا ما قررت الولايات المتحدة واسرائيل التخلص من الترسانة النووية الايرانية وإسقاط النظام الحاكم في الشارع.
والواقع أن الظروف التي تحوط الرئيس اللبناني الجديد تشبه الى حد بعيد تلك التي أحاطت بالرئيس السابق أمين الجميل عندما تولى الحكم بعيد مقتل شقيقه بشير، على أنقاض بندقية فلسطينية مرمية في البحر، وجيش سوري منكفئ إلى البقاع، و”حركة وطنية” مكسورة ومشتتة، وقوات “أطلسية” من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وايطاليا، الى جانب قوات اسرائيلية منتشرة من الجنوب حتى بيروت، وميليشيا مسيحية وجيش شرعي مدعوم من أميركا تدريباً وتسليحاً.
وليس سراً أن هذا الحصن الذي أحاط بالرئيس الجميل قد تفكك في أقل من ثلاث سنوات نتيجة سلسلة من الصراعات الدولية والتطورات الاقليمية والأخطاء الاستراتيجية التي أعادت الطرف اليميني المنتصر الى نقطة الصفر، وأعادت لبنان الى الحضن السوري- السوفياتي ومعه البندقية الفلسطينية وطلائع الثورة الاسلامية الايرانية التي كان حسن نصر الله واًحدا من رجالها الأوائل.
ولسنا هنا، لا في وارد تحديد التقلبات التي وقعت في ذاك العهد، وهي تقلبات محلية في مكان وعامة في مكان آخر، ولا في اسقاط مشهد ذاك الزمان على المشهد الحالي بكل أبطاله وظروفه ومعطياته، بل في وارد التحذير من أي خيارات أو قرارات أو رهانات أو تسويات قد يجريها الرئيس عون على الطريقة اللبنانية الروتينية بحيث يدخل القصر واعداً ويخرج منه خائباً.
خطيئة أمين الجميل أنه راهن على الأميركيين لاخراج اسرائيل من لبنان، وراهن على علاقاته العربية لاخراج سوريا منه، فتخلت عنه أميركا بعد تفجير المارينز في العام ١٩٨٣، وعاكسته إسرائيل بعد الامتناع عن توقيع اتفاق “السابع عشر من أيار”، وخدعته سوريا بعدما وضع بيضه في سلة حافظ الأسد، وبعدما تشتت المسيحيون سياسياً وعسكرياً.
وقد يكون في هذا العرض ما لا يوافق عليه البعض أو ما يسعى الى تصحيحه، لكن المقصود منه الاضاءة على وضع يساعد الرئيس جوزاف عون على تتبع خط مختلف يسمح بتلافي أي هفوات قد تقلب الطاولة رأساً على عقب، أو قد تعيد الساعة الى الوراء، وتحرم لبنان من فرصة نادرة لبناء دولة لا تكون مدينة لأحد في قوتها أو عبئاً على أحد في أثقالها.
وما يسهم في تعزيز هذه الهواجس، أن عون لا يملك سبباً للتعثر أو للفشل في وقت يلتف أكثر من ثلثي اللبنانيين حوله، وفي وقت تظلله مظلة أميركية – أوروبية – عربية قل نظيرها، وفي وقت يحظى باتفاق دولي يساعده على سحب اسرائيل من الجنوب، وسحب سلاح “حزب الله”، وترسيم الحدود مع كل من الدولة العبرية وسوريا وضبطها من الجانبين، اضافة الى جيش وطني مقبل على عملية تسليح نوعي يسمح له باحتكار سلطة الأمن على الأرض وفي كل المرافق الحيوية.
وأكثر من ذلك، ان لبنان انتقل من الهيمنة الايرانية المطلقة الى التدويل والتعريب معاً، وبات جاراً لحكم جديد في دمشق يمكن التفاهم معه على علاقات ندية ومتوازنة لا علاقة للأحزاب بها أو للعقائد على تنوعها، فضلاً عن أنه عاد الى بلد يستحق أن يبقى على الخريطة العالمية لا الى بلد لا يريده الا عابري السبيل.
من هنا، تركز الأنظار الآن على الخطوة الأولى التي سيتخذها الرئيس الجديد بدءاً من الأسبوع المقبل، أي شكل الحكومة الأولى التي سيفتتح بها عهده ونوعية وزرائها، اضافة الى بيانها الوزاري وما يتضمنه من مقومات قديمة أو جديدة يمكن أن تؤكد أو تدحض ما يتردد عن أثمان وافق على تسديدها للثنائي الشيعي في مقابل الوصول إلى قصر بعبدا، وأبرزها عدم التطرق الى القرار ١٥٥٩.
خطاب القسم، لا يشير الى ما يوحي في الظاهر بأي وعود أو تعهدات لأي طرف دون سواه، ولا بأي علامة على وجود أي ضغوط أو خطوط حمر، ولا أي اتجاه الى حكم يقوم على المحاصصات أو المسايرات.
لكن الخطابات، يقول المراقبون الذين راقبوا وواكبوا المسار الذي سلكه عون نحو بعبدا، شيء والممارسة شيء آخر، مؤكدين أن العالم كله ينتظر الضربة الأولى على طاولة الحكم فإما تأتي من قبضة عارية واما تأتي من قبضة مخفية في القفازات.
ويضيف هؤلاء ان الرئيس اللبناني الجديد يقف في الوسط الآن بين خيارين: اما الافادة من قوة الخارج لتعزيز قوة الداخل، واما الرهان على قوته معتبراً أن العبوس يطمئن المعارضة ويرهب الممانعة تماماً كما فعل سلفه ميشال عون عندما أوهم ناسه أن لا لبنان يقوم من دونه وأن أي عدو لا يقهر الا بسلاحه فانتهى به الأمر في جهنم.
انها لحظة الحقيقة الآن، واللحظة التي تتطلب من سيد القصر لا تغيير البزة المرقطة بل ارتداء بزة جديدة لا يرتدي مثلها شريك قديم ولا يحيك مثلها خياط قديم.
هم صوّتوا له وربما صفقوا لكن العارفين بمكامن الأمور يسألون الرئيس اللبناني: هل رأيت مثلنا الشر في عيونهم؟


