عقدة الميثاقية

محمد شمس الدين
مجلس النواب

“لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك”، هذه العبارة المأخوذة من الفقرة “ي” في وثيقة الوفاق الوطني تُستخدم كمرجعية دائمة من القوى السياسية عند كل استحقاق، لا سيما في تشكيل الحكومات. يتطلب هذا الميثاق تمثيل جميع الطوائف في الحكومة، على الرغم من أن الوثيقة تتحدث عن المناصفة بين المسيحيين والمسلمين فقط.

منذ اتفاق الطائف حتى العام 2005، لم يُثر موضوع الميثاقية كثيراً، إلا أنها بعد عودة ميشال عون من المنفى وخروج سمير جعجع من السجن، باتت موضوعاً يتكرر الحديث عنه باستمرار. تصاعدت الأزمة خلال حكومة الرئيس فؤاد السنيورة عام 2006 حين استقال الوزراء الشيعة من الحكومة، ما جعل الميثاقية موضوعاً ساخناً. لاحقاً، استُخدمت هذه الورقة خلال عهد ميشال عون لتعطيل الانتخابات الرئاسية لمدة سنتين إلى أن أصبح عون رئيساً، ثم استخدم سلطته لمحاربة الأطراف السياسية الأخرى، ما ناقض ميثاق العيش المشترك.

اليوم يعود موضوع الميثاقية إلى الواجهة، بعد اعتبار “الثنائي الشيعي” أن تكليف القاضي نواف سلام رئاسة الحكومة يشكل انقلاباً على اتفاق مسبق جرى معه بشأن انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية. ومع تصعيد “الثنائي” بورقة الميثاقية، ترد المعارضة بأنه ليس الممثل الوحيد للطائفة الشيعية. وفي المقابل، يرد “الثنائي” بأنه لا وجود لأي نائب شيعي خارج كتلته.

من المهم التذكير بأن الميثاقية ليست مبدأ دستورياً، بل عرف معمول به. الدساتير وُضعت بحسن نية لتحقيق المصلحة الوطنية، لكن سوء استخدام بعض المسؤولين لصلاحياته، كما حدث خلال عهد ميشال عون، دفع إلى المطالبة بتوضيح بعض النصوص الدستورية. مع بداية العهد الجديد للرئيس جوزاف عون، برزت بوادر أمل بعد أن سمح للاستشارات الحكومية أن تأخذ مجراها الطبيعي من دون المطالبة بحصة للرئيس، كما كان الحال سابقاً.

لكن الأزمة الآن تتعلق بموقف “الثنائي الشيعي” الذي يرى في التشكيلة الحكومية انقلاباً على التفاهمات السابقة. ويتمسك “الثنائي” بكامل الحصة الشيعية في الحكومة، ملوحاً بعدم ترؤس نبيه بري جلسة الثقة، وغياب النواب الشيعة عنها، ما قد يؤدي إلى أزمة ميثاقية جديدة تعرقل زخم العهد الجديد.

النصوص الدستورية لا تفرض تمثيلاً طائفياً معيناً في الحكومة، لكنها تشير إلى ضرورة نيل الحكومة ثقة البرلمان، ما يدفع رؤساء الحكومات الى التوافق مع الكتل الكبيرة لضمان العمل من دون عراقيل. ولأن “الثنائي الشيعي” يمثل كتلة برلمانية كبيرة (30 نائباً)، بإمكانه تعطيل أي حكومة لا يشارك فيها.

ويعود موضوع إشراك الشيعة في الحكم إلى ما قبل اتفاق الطائف، خلال المؤتمرات الخاصة بحل الأزمة اللبنانية. كان السؤال المحوري حينها: كيف يمكن إشراك جميع الأطراف في الدولة، بما في ذلك الطائفة الشيعية؟ طُرحت فكرة استحداث موقع نائب رئيس الجمهورية ليكون عُرفاً شيعياً، لكن الاقتراح سقط. أُعيد طرح الفكرة مجدداً خلال مناقشات إقرار الطائف، لكنها سقطت مرة أخرى. قيل حينها إن تسوية جرت في الكواليس تقضي بإسناد وزارة المال إلى الشيعة، نظراً الى أن وزير المال يوقع معظم القوانين المتعلقة بالإنفاق المالي، ما يجعله شريكاً في القرار إلى حد كبير.

اعتمد هذا التقليد في عدة حكومات متعاقبة؛ فقد تولى النائب علي الخليل وزارة المال في حكومة الرئيس سليم الحص، في بداية عهد رئيس الجمهورية إلياس الهراوي. في المقابل، أُعطيت وزارة الدفاع لطائفة الروم الأرثوذكس، ووزارة الداخلية للموارنة، ووزارة الخارجية للطائفة السنية. درجت تسمية هذه الوزارات بـ”السيادية”، وكانت تُسند إلى الطوائف الأربع الكبرى: الموارنة، السنة، الشيعة والأرثوذكس.

في الحكومة التي تلتها برئاسة عمر كرامي، أُسندت وزارة المال إلى النائب الشيعي علي الخليل مجدداً، فيما تناوب السنة والموارنة على وزارتي الداخلية والخارجية، وبقيت وزارة الدفاع من نصيب الأرثوذكس.

استمرت الصيغة نفسها في حكومة الرئيس رشيد الصلح التي أعقبتها. ولكن في العام 1992، عندما وصل الرئيس الشهيد رفيق الحريري إلى رئاسة الحكومة، طالب بإسناد وزارة المال الى مقرب منه (فؤاد السنيورة) لتنفيذ مشروعه الاقتصادي. قوبل هذا الطلب برفض قاطع من الساسة الشيعة. ومع ذلك، ولأن الحريري كان يمثل استثناءً، جرى التوافق على تسوية خاصة به؛ أُسندت وزارة المال إلى الحريري مباشرة، ليصبح وزير المال ورئيس الحكومة في آنٍ واحد، بينما عُيّن السنيورة وزير دولة للشؤون المالية لمساعدته، بسبب انشغاله بإدارة الحكومة والبلد.

أما وزارة الخارجية، فأسندت إلى ماروني هو الوزير فارس بويز، وذهبت وزارة الداخلية إلى الأرثوذكس. في تلك الفترة، أُسندت وزارة الدفاع إلى الشيعة، فشغلها محسن دلول، بينما بقيت وزارة الخارجية من نصيب رئيس الجمهورية عبر صهره فارس بويز، الذي استمر في المنصب خلال الحكومتين التاليتين.

وتكرر هذا التوزيع في حكومتي الحريري الثانية والثالثة عامي 1995 و1996 على التوالي.

بعد ذلك، تسلّم سليم الحص رئاسة الحكومة في عهد رئيس الجمهورية إميل لحود، وتولى بنفسه حقيبة الخارجية. أُسندت وزارة المال إلى ماروني، هو الوزير جورج قرم، فيما ذهبت وزارة الداخلية إلى الأرثوذكس، وبقيت وزارة الدفاع مع الشيعة.

لاحقاً، عاد الرئيس الحريري إلى رئاسة الحكومة، وتسلّم فؤاد السنيورة وزارة المال مباشرة. شهدت تلك الفترة تغييرات، إذ أصبحت الحقائب تُسند وفق توافقات سياسية بعيدة عن الحصرية الطائفية، لا سيما وزارة المال. ومع ذلك، عاد هذا الموضوع ليشكل أزمة خلال تشكيل الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال سليمان، بحيث أُعيدت وزارة المال إلى الشيعة.

في عهد تمام سلام، استمرت وزارة المال مع الشيعة، وتولاها الوزير علي حسن خليل. ظلت الوزارة معهم حتى الحكومة الأخيرة، بينما أُسندت وزارة الداخلية إلى سني، ووزارتا الدفاع والخارجية إلى المسيحيين.

في ظل غياب تفسير موحد للنصوص الدستورية، ينقسم الخبراء حول ما إذا كانت حكومة بلا تمثيل شيعي تعتبر مناقضة للميثاقية. ويرى البعض أن المشكلة ليست في النصوص، بل في احتكار “الثنائي الشيعي” للتمثيل النيابي الشيعي، ما يجعله قادراً على فرض شروطه.

السؤال الأهم هنا: لماذا لا يتجه “الثنائي الشيعي” إلى المعارضة الكاملة؟ يقول البعض إن السبب هو الحرص على الحصص في السلطة، فيما يرى آخرون أن غياب دولة قوية يثير مخاوف المكونات من التهميش. ولهذا، استمرت حكومات التوافق الوطني، على الرغم من أنها غالباً ما تكون متناقضة وغير فاعلة.

مع دخول لبنان مرحلة جديدة تحت وصاية دولية، يُتوقع أن تتحسن آليات العمل السياسي. وربما يأتي يوم تُلغى فيه مصطلحات مثل “الميثاقية”، مع ضمان بناء دولة عادلة تُستخدم فيها هذه المفاهيم بصورة صحيحة لتعزيز العدالة والمساواة.

شارك المقال