شهد لبنان، منذ تأسيسه كدولة، العديد من الخلافات بين رؤسائه ورؤساء الحكومات أو بين الرؤساء والجهات السياسية الأخرى. ويمكن أن يُعزى أصل هذه الخلافات بغالبيتها إلى الطبيعة الطائفية للنظام السياسي اللبناني، حيث توزع المناصب الرئيسية بين الطوائف الكبرى، ما يؤدي إلى صراعات على النفوذ والصلاحيات.
بدأت الخلافات في لبنان منذ لحظة استقلاله عام 1943، حين توصلت القوى السياسية في ذلك الوقت إلى “الميثاق الوطني”، الذي كرّس توزيع المناصب الطائفية. ولكن عدم وضوح معالم هذا الاتفاق بصورة قاطعة تسبب في خلافات بين الرؤساء حول توازن الصلاحيات وحقوق الطوائف، إضافة إلى الخلافات بين العهود والقوى السياسية حول الشؤون الداخلية والقضايا الاقليمية.
تميز عهد الرئيس كميل شمعون بخلافات حادة مع القوى الاسلامية واليسارية بسبب سياسته الموالية للغرب وتحالفه مع حلف بغداد، ما أدى في ذروة التصعيد إلى تمرد مسلح عام 1958 تطلب تدخلاً أميركياً لاحتواء الوضع.
وعلى الرغم من إنجازاته العديدة في بناء المؤسسات والإنماء، إلا أن عهد الرئيس فؤاد شهاب شهد تجاذبات بينه وبين الزعامات التقليدية، التي اعتبرت أن الشهابية تتحول إلى دولة بوليسية.
ولعل أكبر دليل على الانقسام السياسي هو كيفية انتخاب رئيس الجمهورية سليمان فرنجية، الذي اتسم عهده بالخلافات مع رئيس الحكومة رشيد الصلح، إضافة إلى اندلاع الحرب الأهلية.
وطبعت التوترات عهد الرئيس أمين الجميل، لا سيما أنه خلف أخاه الذي اغتيل الرئيس بشير الجميل، إضافة إلى المشكلات التي تعود خلفيتها إلى اتفاقية 17 أيار، ما أدى إلى استقالة الحكومة وانتفاضة 6 شباط الشهيرة. وفي نهاية المطاف، شهد لبنان لأول مرة فراغاً رئاسياً، حين انتهت ولاية الجميل من دون انتخاب خلف له، وانقسم البلد بين حكومتين: عسكرية بقيادة ميشال عون ومدنية بقيادة سليم الحص.
وعلى الرغم من إنهاء الحرب الأهلية بعد التوصل إلى اتفاق الطائف، بقيت الخلافات قائمة بين الرؤساء حول تطبيق الاتفاق وتقاسم الصلاحيات، لا سيما في ما يتعلق بدور رئيس الحكومة ورئيس الجمهورية.
ربما كان عهد الرئيس إلياس الهراوي الأقل توتراً نسبياً بين عهود ما بعد الطائف، بحيث سجلت خلافات طفيفة بينه وبين الرئيس الشهيد رفيق الحريري. ولكن انعكست على الهراوي الخلافات بين رئيس مجلس النواب نبيه بري والحريري، الذي كانت لديه رؤية يسعى الى تنفيذها بينما سعى بري الى تثبيت مكانة الشيعة في الدولة بعد غيابهم النسبي قبل الطائف. وأشهر هذه الخلافات كانت حول وزارة المالية، التعيينات، والصلاحيات الاستثنائية التي طالب بها الحريري للحكومة لتنفيذ رؤيته.
واستمرت الخلافات خلال عهد إميل لحود، الذي دخل أيضاً في صراع صلاحيات، بحيث سعى الى تعزيز دور رئاسة الجمهورية في السلطة التنفيذية، ما اعتبره الحريري عرقلة لعمله.
ومع حدة الخلافات أحياناً خلال هذه الفترة، إلا أنها بقيت ضمن سقف معين لم يقطع التواصل بين الرؤساء. وكان الرأي العام اللبناني يضج بردود الرؤساء على بعضهم البعض، والتي اتسمت بالكثير من الأمثال الشعبية، لا سيما بين الرئيسين بري والحريري.
بعد اغتيال الحريري، دخل البلد في أزمة انقسام عمودية أدت إلى فراغ رئاسي ثانٍ بعد نهاية الولاية الممددة للحود. ونتج عن ذلك نزاع مسلح معروف باسم 7 أيار، ما استدعى تدخلاً خارجياً رعته دولة قطر، ليتم التوصل إلى اتفاق الدوحة الذي أوصل قائد الجيش حينها، ميشال سليمان، إلى رئاسة الجمهورية.
وعلى الرغم من الرعاية الخارجية، لم تصمد التسوية طويلاً، بحيث اندلعت الخلافات مجدداً، لا سيما على ملف سلاح “حزب الله”. وكان عنوان الخلاف الرئاسة الأولى والثالثة، ودخل لبنان فراغاً رئاسياً جديداً استمر عامين، قبل أن يصل ميشال عون إلى رئاسة الجمهورية على أكتاف اتفاق مار مخايل بين “حزب الله” و”التيار الوطني الحر”.
ومع أن التيار عقد اتفاقات مع قوى سياسية ليتمكن من الوصول إلى بعبدا، إلا أنه عاد وانقلب عليها، ما جعل سمة عهد عون التعطيل والعرقلة، وانتهى بأزمة اقتصادية ومالية غير مسبوقة وفراغ جديد. كان عنوان الخلافات هو الصلاحيات بينه وبين الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، إضافة إلى خلافه الدائم مع الرئيس بري، الذي لم يقبل السير بانتخابه من الأساس.
يمكن اختصار أسباب الخلافات منذ تأسيس لبنان بالصلاحيات الدستورية والغموض في توزيعها بين الرئاسات، التأثيرات الخارجية والتدخلات الاقليمية والدولية في القرار السياسي اللبناني، والنظام الطائفي الذي تسبب في تنافس طائفي على النفوذ والمناصب.
أدت هذه الخلافات إلى تآكل مؤسسات الدولة، بما في ذلك القضاء، ما يعطل دور السلطات في الحفاظ على سيادة القانون واستقرار البلاد. وتسببت الانقسامات السياسية وتضارب المصالح بين السلطات في عجز الحكومات المتعاقبة عن وضع سياسات اقتصادية واضحة، الأمر الذي أدى إلى أزمات خانقة، كما حدث خلال عهد الرئيس ميشال عون، بحيث تفاقمت الأزمة الاقتصادية نتيجة غياب التنسيق بين السلطات.
اليوم، يقول السياسيون إن لبنان دخل مرحلة جديدة بعد انتخاب العماد جوزاف عون رئيساً للجمهورية وتكليف القاضي نواف سلام تشكيل الحكومة. وعلى الرغم من التوتر على صعيد الثنائي الشيعي، إلا أن الأمور تبدو سالكة، لا سيما أن لا خلاف مع الرئيس المكلف، وجلّ ما في الأمر هو الشكلية أو ما يعرف في العمل السياسي بـbad faith.
يبدو أن الرئيس جوزاف عون يسعى إلى التخلص من الآفات التعطيلية للعهد السابق، بحيث تدل تصريحاته على أنه لا يهدف إلى الهيمنة على الحكومة كما فعل سلفه، بل أن يكون حكماً بين السلطات.
ومع ذلك، ما زالت الأمور في بداياتها، وهناك ملفات متفجرة عديدة ورثها العهد الجديد قد تؤدي إلى خلافات عميقة، مثل ملف سلاح “حزب الله”، وملف انفجار مرفأ بيروت، إضافة إلى الملف الاقتصادي وأموال المودعين الضائعة.
ويبقى السؤال: هل يتم إعطاء صلاحيات استثنائية للحكومة، وهو أمر طالما رفضه الرئيس بري على مر السنين، أم يمكن للحكومة ورئيسها تنفيذ الرؤية عبر انسجام مع مجلس النواب، والسير بحذر بين الملفات الملغومة لتحقيق الانجازات؟
لا بد من التذكير بأن المرحلة الحالية مختلفة عن كل العهود السابقة، اذ لم يكن لبنان يوماً تحت وصاية دولية صريحة كما هو حاله اليوم. وقد تعني هذه الوصاية أن منهجية العمل ستكون مختلفة تماماً عما سبق، إلا أن الخوف هو من أي اهتزاز في الوضع الاقليمي والدولي، فقد ينعكس ذلك مباشرة على لبنان ويضيع فرصة لطالما حلم بها اللبنانيون.


