هذا الرصاص الهائل الذي أطلق في محيط الضاحية الجنوبية ومعاقل “حزب الله” اضافة الى المعسكرات الفلسطينية، لم يكن احتفاء باتفاق وقف اطلاق النار في غزة بقدر ما بدا رسالة الى الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة المكلف نواف سلام تهدف أولاً الى لجم هيبة الرئاسة الأولى مبكراً، والحد ثانياً من اندفاعة الرئاسة الثانية.
هذا الجنون الذي أعقب اتفاقاً على أنقاض قطاع مدمر ومحاصر، وعلى أشلاء آلاف القتلى والجرحى والمعوقين والمفقودين، وعلى مسار سياسي قد لا يعيد حركة “حماس” الى السلطة المطلقة في ما يعرف باليوم التالي، كان الذريعة الضمنية التي يحتاج اليها الثنائي الشيعي وحلفاؤه الفلسطينيون لافهام العهد الجديد والعراب الأميركي – السعودي أن فريق الممانعة لا يزال الرقم الصعب والسور المنيع الذي لا يمكن القفز فوقه، اضافة الى أنه ليس الفريق المهزوم الذي يمكن تخطيه أو التعامل معه كفريق عادي يحصل على ما يُعطى لا على ما يأخذ.
الرئيس عون يعرف ذلك، ويعرف أن ما كان يتمناه طريقاً سالكاً الى حد كبير نحو بناء دولة قوية وسيدة، بدا طريقاً مزروعاً بالألغام والعثرات التي لا يمكن تحاشيها من خلال جوائز ترضية عادية، ولا من خلال مواجهات عسكرية دامية، الأمر الذي يمكن أن يهدد بتحويل العهد ركناً قابلاً للمساومة في مكان والتنازل في آخر على غرار ما فعل أسلافه من قبل.
ويتفق الكثير من المراقبين على أن “حزب الله” قد لا يعدم وسيلة يمكن أن تعيد خلط الأوراق السياسية من جهة ونسف القرار ١٥٥٩ من جهة ثانية، وتهميش دور الجيش في الجنوب أولاً وعلى الحدود اللبنانية – السورية ثانياً، واثارة كل الذرائع التي تبقي على سلاحه باعتباره سلاحاً مقاوماً لا سلاحاً متفلتاً، مؤكدين أن هذا الثنائي الذي اعتاد الحصول على كل شيء من دون اعتراضات، وارتكاب أي شيء من دون محاكمات، لا يستطيع العيش خارج منطق القوة ولا القبول بأي حصة لا تكون الحصة الأساسية والكبرى في الحكم والمرافق والشوارع.
ويرى هؤلاء أن مشكلة لبنان الآن قد لا تكون مع اسرائيل التي تتولى أمرها الولايات المتحدة، بل مع محور الممانعة الذي تتولى أمره ايران المحاصرة في زاوية صعبة والساعية بكل عزم الى استعادة هيبة “حزب الله” ودوره في لبنان، والانطلاق به نحو معركة جديدة قد تكون ضد القرار ١٧٠١ أو ضد الحكمين الجديدين في كل من بيروت ودمشق، في حال عجزت عن لجم جماح الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب العائد الى الحكم بشهية تمتد من غرينلاند الى بنما مروراً بالصين وصولاً الى ايران.
حتى الآن، يدخل هذا العرض في اطار التحليل الذي يمكن أن يكون سابقاً لأوانه لكنه من دون شك أساس لما يمكن أن يواجه الرئيس الرابع عشر الذي أوحى في خطاب القسم بأنه الاعصار الذي يأخذ في طريقه كل شيء شاء من شاء وأبى من أبى، قبل أن يعلن بعد يومين على سقوط الرئيس نجيب ميقاتي، أنه لا يستطيع الحكم وحده وأن اليد الواحدة لا تصفق، وذلك أمام وفد ديني شيعي يعرف كيف ينقل الرسائل بين الطرفين ذهاباً واياباً.
والواقع، حسب مصادر قريبة من القصر، أن عون كان مطمئناً الى توجه النواب لاختيار ميقاتي رئيساً لحكومة انتقالية تعمل على انهاء وترتيب ملفات طالما عايشاها وتعاملا معها سراً وعلناً، مشيرة الى أن “حزب الله” والرئيس نبيه بري كانا أيضاً في جو التعامل مع ميقاتي “الممسوك” وليس نواف سلام “الطليق”، الأمر الذي دفع بهما الى توجيه الاتهامات في كل الاتجاهات، وبينها قصر بعبدا، والى رفع السقوف السياسية المرفقة برفع السلاح بحجة الاحتفاء بما جرى في غزة.
ويسأل مصدر قريب من المعارضة: لماذا تحتفل الضاحية باتفاق غزة هي التي لم تحتفل بوقف اطلاق النار في الجنوب، لو لم يكن في الأمر محاولة لتمرير رسالتين، الأولى افهام الحكم والمعارضة معاً أن السلاح الذي يحمي الثنائي لا يزال كثيفاً وجاهزاً وفاعلاً، والثاني افهام أميركا ودول الخليج أن أي محاولة لاقصائه أو تهميشه أو ربط المساعدات واعادة الاعمار بتنازلات سياسية قاسية في الداخل لا يمكن أن تمر؟
وهنا لا بد من سؤال جوهري، هل يمكن لهذا الثنائي أن ينجح في ما يفعل أو في أن يصل الى الوجهة التي يريدها؟
الجواب ليس سهلاً على الاطلاق، لكن الواضح أن الرئيس جوزاف عون لن يستطيع، بعد خطاب ناري وتاريخي في لحظة القسم، أن ينتقل من الحسم الى المسايرة، وتحديداً مع جهة مسؤولة عن تدمير البلاد حجراً واقتصاداً وسمعة وأمناً، ولا يستطيع أيضاً أن يزج الجيش في حرب شوارع قد يعرف كيف تبدأ ويجهل كيف تنتهي، ولا يمكن أيضاً وأيضاً أن يتخذ منحى مستقلاً عن الاستراتيجية الأميركية في المنطقة من جهة والعودة السعودية الى لبنان من جهة ثانية.
والواضح أيضاً، حسب مراقبين عسكريين، أن “حزب الله” ليس في الوضع الذي يوحي به وأن ما يفعله ليس الا من فعل الزئير الذي يكتفي بالضحيج لا بالخدش، وأن معركته التي تبدو وكأنها مع الحكم الجديد في لبنان هي في الواقع مع أربعة أعداء دفعة واحدة: الأول اسرائيل التي تملك حق ملاحقته أينما كان، والثاني أميركا التي تجهد لتجفيف موارده ونزع مخالبه، والثالث الحكم الجديد في سوريا والطوق الذي بدأ يفرضه على الحدود الشرقية والشمالية من لبنان، والرابع السعودية التي دخلت لبنان من الباب العريض محذرة من أي محاولة للتلاعب بعواطف السنة ومن أي تحركات سلبية على الأرض يمكن أن تمنع اعادة المهجرين الشيعة الى قراهم وديارهم.
انها في اختصار لعبة شد الحبال في وقت حلَّ قبل أوانه، اذ ان المواجهة التي كان يمكن أن تعقب أول حكومة انتقالية مقررة برئاسة ميقاتي، بدأت باكراً لتربك خطط الرئيس عون وتطرح بعض التساؤلات لدى الرأي العام اللبناني الذي يتخوف من أن تقع الآمال التي عقدها على العهد الجديد حيث وقعت آمال أخرى عقدها في عهود سابقة، أي في قبضة سوريا مرة وفي قبضة ايران مرة، ومن أن تذهب هذه الفرصة الثمينة التي يتمسك بها الرئيس عون، كما ذهبت فرص أخرى سابقة بدءاً من سحب الجيش السوري من لبنان مروراً بسحب البنادق الفلسطينية خارج المخيمات وصولاً الى تدويل الهدنة بين اسرائيل ولبنان وانتهاء بثنائي متجانس في السلطتين الأولى والثانية لم يعرف لبنان مثيلاً له منذ الاستقلال حتى اليوم.
حتى الآن لا يزال “حزب الله” يمسك زنده في انتظار ما يمكن أن يحصل عليه من ضمانات تحفظ ماء وجهه قبل السلاح، وفي انتظار ما تأمر به ايران التي تعرف أنها أمام مأزقين: الأول زج حليفها الشيعي في معركة خاسرة جديدة مع اسرائيل، أو زجه في حرب داخلية تعرف أنها لن تكون نزهة في شوارع لا يجد فيها حليفاً واحداً لا عند المسيحيين ولا عند السنة ولا عند الدروز، وربما ليس عند حركة “أمل” التي تعرف أن أي انتصار يحرزه نعيم قاسم سيكون انتصاراً له وحده، وأن أي هزبمة يتكبدها ستكون هزيمة للاثنين معاً.
وخلافاً للمظاهر، لا يبدو الرئيس نبيه بري في موقع يحسد عليه، في وقت يعرف أن الممانعة مع الأميركيين لن تكون عملاً حكيماً، وأن الممانعة مع “حزب الله” لن تكون عملاً حميداً الأمر الذي يضعه بين خيارين: اما التمايز عن أخيه الشيعي واما نصرته ظالماً كان أو مظلوماً.


