“المالية” أطاحت المداورة وكرّست المحاصصة

زياد سامي عيتاني
وزارة المالية

تتجه الأنظار إلى التحديات التي سيواجهها الرئيس المكلف نواف سلام في اختيار فريق حكومي قادر على تحقيق التوازن بين المطالب الشعبية والإصلاحات الضرورية من جهة، والتوافقات السياسية بين الأطراف المختلفة من جهة أخرى، ويتوقع أن يعلن تشكيلته الوزارية مع نهاية الأسبوع الجاري، إذ إن الهدف من هذا السقف الزمني الطموح، هو تسريع عملية الانتقال إلى مرحلة المناقشة النهائية مع رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون، للوصول إلى تفاهم شامل يعكس رغبة الجميع في تجاوز مرحلة الجمود السياسي، والاستثمار السريع للدعم العربي والدولي لإنهاض البلد اقتصادياً وعمرانياً وخدماتياً وماليا.

ويسير تشكيل الحكومة بخطى ثابتة نحو إنجاز توليفة جديدة من ممثلي الكتل السياسية، من غير المحازبين والنواب، وسط ضغط كبير لحلحلة العقد العالقة قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية وهي إسقاط الأسماء على الحقائب الوزارية ليصار بعدها إلى إعلان التشكيلة، مع إدراك سلام أهمية هذه اللحظة في تاريخ لبنان، الأمر الذي يجعله ملزماً بتشكيل حكومة تتمتع بالمصداقية والثقة داخلياً وخارجياً، ما يتيح لها التصدي للأزمات المتراكمة التي تعصف بالبلاد. فقد بات محسوماً أن الحكومة ستتشكل من 24 وزيراً، شريطة فصل أعضاء البرلمان عن التعيين الوزاري، وألا ينووا الترشح لأيّ انتخابات نيابية مقبلة، على أن تقسم المناصب الوزارية بين 12 للمسلمين و12 للمسيحيين، بمختلف مذاهبهم.

وتتحدث المصادر المواكبة لعملية التأليف أن المناقشات المستفيضة التي أجراها الرئيس المكلف، ركزت على التوزيع العادل للحقائب بما يراعي التوازن الطائفي، مع الحرص على عدم المساس بمعايير الكفاءة والاختصاص. وتشارك الأحزاب والكتل في ترشيح الوزراء ضمن مجموعة من الأسماء، وتترك حرية الخيار والمفاضلة بينها للرئيس المكلف بالتشاور مع رئيس الجمهورية.

غير أن الرغبة المشتركة لدى الرئيسين عون وسلام في كسر “الإحتكار” من خلال إعتماد قاعدة المداورة، اصطدمت بتمسك “الثنائي الشيعي” بوزارة المالية، ما شكل “الانتكاسة” الأولى للآمال المعقودة على أن تكون حكومة العهد الأولى مختلفة عن الحكومات السابقة، بحيث قطع سلام وعداً لـ”الثنائي” بأن يتولى النائب السابق ياسين جابر حقيبة المالية، من دون إسقاط إسم حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري، اذ إن “الثنائي” يقول انه تم التفاهم عليها في اتفاق “الطائف” لتكون من حصة الطائفة الشيعية كشريك في توقيع المراسيم مع رئيسي الجمهورية والحكومة!

وهذه “الانتكاسة” أسقطت مبدأ المداورة، بحيث تتذرع القوى السياسية والطائفية بإبقاء “المالية” من حصة حركة “أمل” للإبقاء على “إمتيازاتها” بالوزارات السيادية والخدماتية، (وهذا أمر لطالما كان عقبة أساسية في المشهد السياسي اللبناني. الا أن هذا التصنيف للحقائب يستند إلى حجم الخدمات التي تقدمها الحقيبة الوزارية وحضورها الحكمي في المجلس الأعلى للدفاع).

وفي هذا الاطار، يتم الحديث عن أن حصة المسيحيين ستتوزع على 3 مناصب لحزب “القوات” واثنين لـ “التيار الوطني الحر”، وواحد لحزب “الطاشناق” وآخر لحزب “الكتائب”، ومثله لحزب “المردة”، ووزارة للمستقلين، و3 وزراء لرئيس الجمهورية. في المقابل، أشارت المصادر إلى أن تمسك كتل الطائفة السنية ونوابها بوزارة الداخلية (ترشيح المحامي البيروتي محمد عالم)، قد يحول دون رغبة الرئيس المكلف في تولي وزارة الخارجية لعدم جمع حقيبتين سياديتين لطائفة واحدة، وعليه ستؤول وزارة الخارجية إلى ماروني هو الوزير السابق غسان سلامة (كاثوليكي) أو بول سالم (أرثوذكسي)، الأمر الذي سينعكس على حقيبة الدفاع (تركت في عهدة أرثوذكسي بالوزارات الخمس الأخيرة) بحيث ستنتقل في حال توزير سلامة أو سالم الى ماروني (يتداول باسم العميد المتقاعد جان نهرا من الطائفة المارونية). وفي الوقت نفسه، فإن التنافس على أشده بين القوى السياسية على الوزارات الأساسية كالطاقة (بين القوات والتيار) والأشغال (بين التيار وأمل)، فيما تردد أنها حقيبة قد تذهب إلى الطائفة الدرزية، وكذلك الصحة (بين التيار وأمل).

يذكر في هذا الأطار أن هناك إشكالية ما زالت عالقة في حصة الشيعة، لأن “الثنائي” يصر على الحصول على كامل الوزراء الشيعة، بينما الرئيس المكلف يفضل إعطاء اثنين لـ “حزب الله” واثنين لحركة “أمل”، على أن يكون الخامس من حصته.

عملية التأليف ليست سهلة، بعدما رضخ سلام لضغوط “الثنائي” في ما يخص وزارة المالية وكامل الوزراء الشيعة من حصته، الأمر الذي فتح “شهية” بقية القوى السياسية على الوزارات “الدسمة”، ما يؤكد وجود عقد مرتبطبة بعملية التأليف وتوزيع الحقائب وإختيار الأسماء، يعمل سلام (حسب أوساطه) على حلها وفكّها مع حرصه في الوقت ذاته على عدم إقصاء أي مكوّن أو تهميشه، خصوصاً أن هناك تعويلاً محلياً وخارجياً على سلام بأن يعمل بأسلوب مختلف وجديد، مواكبة لدخول لبنان مرحلة جديدة في ظل “الرافعة” العربية والدولية التي إستجدت بعد التحولات في المنطقة، وذلك بهدف إنقاذه من خلال إطلاق عجلة عمل مؤسسات الدولة وإنتظامها وفقاً للأسس الدستورية. فهل ستنجح الجهود المبذولة لولادة الحكومة في إخراج لبنان من دوامة التعطيل السياسي وإعادة الثقة إلى مؤسسات الدولة، بعدما أطاحت وزارة المالية المداورة وكرّست المحاصصة؟ شكل الحكومة وتركيبتها، سيجيبان عن هذا السؤال.

شارك المقال