تعتبر سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، نموذجاً واضحاً للنهج الصقوري في العلاقات الدولية، حيث سعى إلى تعزيز مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى ذات نفوذ عالمي. كان ترامب يتبع سياسة تعكس تأكيد قوة الولايات المتحدة في الساحة الدولية، من خلال التركيز على تعزيز القدرات العسكرية والاقتصادية، وزيادة الضغط على الحلفاء من أجل تحمل المزيد من المسؤولية في الشؤون الدفاعية. سياسة ترامب الخارجية تركزت على مبادئ تقليص الوجود الأميركي في بعض المناطق العسكرية، مع الحفاظ على دعم حلفاء واشنطن بشرط أن يتحملوا جزءاً أكبر من المسؤولية الدفاعية، خصوصاً في حلف الناتو، حيث طالب الحلفاء بزيادة إنفاقهم الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الاجمالي، بينما كان يشدد على أن التهديد الأكبر يكمن في صعود الصين، ما جعل سياسة “أميركا أولاً” هي محور استراتيجيته.
يرى المستشار السابق في وزارة الخارجية الأميركية حازم الغبرا أن إيران تبقى الأولوية القصوى لحكومة ترامب، مشيراً إلى أن العمل العسكري مطروح بل ومؤكد في هذه المرحلة، ولن يطول الأمد قبل أن نرى تحركاً عسكرياً.
في ما يتعلق بدول أخرى في الشرق الأوسط، يشير إلى أن لبنان يشهد تغيراً مثيراً للاهتمام وجيداً، أما سوريا فهناك تغير ولكنها تنتظر وترى.
أما بالنسبة الى روسيا، فيوضح الغبرا أنه لن تكون هناك “هدايا مجانية” للنظام الروسي، ويؤكد أن ترامب لن ينتزع هزيمة من نصر. هناك تقدم في أوكرانيا بعد تزويدها بالعتاد الجديد والسماح لها بضرب العمق الروسي، خصوصاً خطوط اللوجيستيات وقواعد إطلاق الصواريخ. ويرى أن هناك فرصة للجلوس على طاولة المفاوضات بصورة متساوية من الطرفين والوصول إلى حل بوجود ديبلوماسي أميركي.
وفي موضوع الصين، يذكر الغبرا بأنه كان مطروحاً منذ ولاية ترامب الأولى، ولم يفعل جو بايدن الكثير في هذا المجال. اليوم، هناك فرصة لفعل شيء، بحيث يركز ترامب على الاقتصاد الأميركي، وأي شيء يعادي هذا الاقتصاد سيجد نفسه في مواجهة مع ترامب.
وعن العلاقات مع السعودية والامارات، يتمنى عودة العلاقات الطبيعية مع هاتين الدولتين التي تأثرت سلباً مع إدارة بايدن من دون سبب مقنع. ويرى أن هناك الآن فرصة لإصلاح الخلل في هذه العلاقات مع ترامب.
الصين: التهديد الأكبر وأثر السياسات الاقتصادية
الصين، من جانبها، كانت تراقب بعناية هذا التوجه الأميركي، بحيث ترى أن عودة ترامب إلى البيت الأبيض قد تعقد العلاقات الجيوسياسية مع الولايات المتحدة، خصوصاً في حال حدوث خلافات أميركية-أوروبية. ففي ظل تصاعد التوترات بين واشنطن وبكين، قد تسعى الدول الأوروبية إلى تقوية علاقاتها الاقتصادية مع الصين لتعويض الانعكاسات السلبية على اقتصادها من خلال زيادة التبادل التجاري، الذي بلغ 739 مليار يورو مع الاتحاد الأوروبي في العام 2023. وكان هذا التبادل التجاري عاملاً مهماً في تحفيز قوى أوروبا لتوسيع علاقاتها مع الصين بصورة أكبر، على الرغم من المخاوف الأمنية والسياسية المتعلقة بالنفوذ الصيني في القارة.
على الصعيد العسكري، كانت الصين تجد فرصاً في الافادة من تصاعد التوترات بين الولايات المتحدة وحلفائها، خصوصاً في ظل السياسة التي اتبعها ترامب وشملت تقليص الوجود العسكري الأميركي في أوروبا وتحويل الاهتمام إلى التنافس مع الصين في منطقة المحيط الهادئ. ذلك التحول قد يعزز من مكانة الصين كقوة اقتصادية وعسكرية تؤثر على الدول الأوروبية في سعيها إلى تحقيق توازن بين مصالحها الاقتصادية وأمنها.
غرينلاند: التوتر مع الدنمارك ومواقف ترامب العسكرية
وفي ما يتعلق بالغزو العسكري أو التوسع الجغرافي، لم تقتصر سياسة ترامب على قضايا الاقتصاد فحسب، بل شملت أيضاً محاولات تعزيز النفوذ العسكري الأميركي في مناطق استراتيجية. فقد أبدى اهتماماً بالغاً بشراء جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، لما تمثله من أهمية استراتيجية خاصة في مجال الدفاع الصاروخي ومراقبة التحركات العسكرية. وعلى الرغم من رفض الدنمارك الشديد لهذه الفكرة، إلا أن هذا الملف كشف عن التوترات بين واشنطن وكوبنهاغن في عهد ترامب، مع تبني موقف عدواني من جانب الرئيس الأميركي تجاه الدنمارك.
تصاعدت التوترات بعد مكالمة هاتفية حادة بين ترامب ورئيسة وزراء الدنمارك، ميت فريدريكسن، ما أثار قلق الدول الأوروبية بشأن تصعيد العلاقات عبر الأطلسي إذا عاد ترامب إلى السلطة. كانت أوروبا تشعر بقلق متزايد من ضغوط ترامب المستمرة على الحلفاء لزيادة الإنفاق الدفاعي وتقديم تنازلات في القضايا السياسية، ما يهدد التوازن في العلاقات الدولية.
النهج الامبريالي والرؤية الطموحة
في خطاب التنصيب، عرض ترامب رؤيته الطموحة للسياسة الخارجية الأميركية، والتي كان جوهرها مزيجاً من العزلة الاقتصادية والتوسع الامبريالي. سعى إلى إعادة أميركا إلى قوتها العسكرية والاقتصادية، مع التركيز على حماية مصالحها الداخلية من خلال فرض تعريفات جمركية على السلع الأجنبية وتعزيز القطاع الصناعي الأميركي. كما أكد ضرورة تحسين قدرة القوات المسلحة الأميركية على مواجهة التحديات العالمية، وتعهد بعدم التدخل في الحروب إلا إذا كان ذلك ضرورياً لتحقيق الاستقرار.
في إطار سياسته الاقتصادية، كان ترامب يهدف إلى تقليل الاعتماد على الأسواق الخارجية من خلال فرض رسوم جمركية على المنتجات القادمة من الصين وغيرها من الدول. كما سعى الى إعادة تصنيع العديد من الصناعات الأميركية داخل البلاد، بهدف تعزيز الاقتصاد الأميركي وتقليل العجز التجاري. وعلى الرغم من هذه السياسات الحمائية، كانت العواقب على الاقتصاد الأميركي محل جدل كبير، إذ رأى البعض أن هذه السياسات قد تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتضخم الاقتصاد.
التحديات والانتقادات
لم تخلُ سياسة ترامب من التحديات والانتقادات، خصوصاً من أولئك الذين رأوا في نهجه تهديداً للهيكل الجيوسياسي العالمي، بحيث أشار العديد من المحللين إلى أن توجهات ترامب قد تؤدي إلى تصاعد التوترات الدولية، خصوصاً مع زيادة التوترات في علاقاته مع الصين وروسيا. كما اعتبر البعض أن سياسته العزلة الاقتصادية قد تعود بالضرر على مصالح الولايات المتحدة على المدى الطويل، مع استنزاف فرص التعاون الدولي.
العودة إلى النهج العسكري
أحد أبرز جوانب سياسة ترامب كان تركيزه على إعادة بناء القوات المسلحة الأميركية، وهو ما انعكس في قراراته المتعلقة بالحروب والعلاقات العسكرية. كان ترامب يرى أن الانخراط في حروب طويلة الأمد في الشرق الأوسط أو أماكن أخرى قد يضر بمصالح أميركا، بينما كانت أولويته هي مواجهة التهديدات الكبرى مثل الصين وإيران، وتدعيم قدرة الجيش الأميركي على التعامل مع هذه التحديات.
سياسات دونالد ترامب أثارت جدلاً واسعاً بين مؤيديه ومعارضيه، بحيث يعتبر البعض أن نهجه كان ضرورياً لحماية مصالح أميركا وتعزيز قوتها على الساحة الدولية، بينما يرى آخرون أنه قد يزيد من تعقيد العلاقات الدولية ويضعف التحالفات التقليدية. في النهاية، يظل إرث ترامب في السياسة الخارجية محط اهتمام ونقاش مستمر، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية التي يشهدها العديد من مناطق العالم اليوم.


