طريق الجديدة الوفية للحريري: لا بديل يملأ فراغ غيابه

عمر عبدالباقي
طريق الجديدة

طريق الجديدة ليست مجرد منطقة في العاصمة بيروت، بل هي القلب النابض للمدينة، والمرآة العاكسة لحالتها السياسية والاجتماعية. هذه المنطقة، التي لطالما كانت رمزاً للحيوية والانتماء، تحمل في شوارعها وتفاصيلها ملامح التحولات الكبرى التي مرت بها البلاد، من الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، إلى المحطات السياسية الحاسمة.

لا يمكن الحديث عن طريق الجديدة من دون التوقف عند تأثير غياب الرئيس سعد الحريري عن المشهد السياسي، فقد كانت هذه المنطقة أحد معاقله الرئيسية، ونقطة ارتكاز لتيار “المستقبل”، واحتضنت طويلاً جمهوره ومحبيه. منذ إعلان الحريري اعتكافه السياسي، تعيش طريق الجديدة حالة من الاشتياق والفراغ السياسي، اذ لم ينجح أحد حتى الآن في سد الفراغ الذي تركه زعيم “المستقبل”.

لكن، لماذا تعدّ طريق الجديدة الأكثر تأثراً بهذا القرار؟ الجواب يكمن في طبيعتها الديناميكية، فهي ليست مجرد حي تقليدي، بل مجتمع نابض بالحياة يضم مزيجاً متنوعاً من العائلات والشباب، ما يجعلها ساحة دائمة للحراك السياسي والاجتماعي. وجود تيار “المستقبل” فيها لم يكن مجرد انتماء سياسي، بل كان جزءاً من هويتها، ومع غياب الحريري، فقدت هذه المنطقة ركناً أساسياً من معادلتها السياسية.

وعلى الرغم من تغيّر الظروف، لا تزال صور سعد الحريري تزيّن شوارعها، كأنها تذكير دائم بولاء أهالي المنطقة له، وإيمانهم بأنه الممثل الأبرز لهم ولطموحاتهم. ولا عجب في أن يشعر سكانها اليوم أنهم لم يجدوا حتى الآن بديلاً يملأ الفراغ الكبير الذي خلّفه غيابه، وكأن الزمن السياسي في طريق الجديدة قد توقّف عند آخر خطاب ألقاه الحريري قبل انسحابه.

مع اقتراب ذكرى 14 شباط، تعيش بيروت حالة من الترقّب والاستعداد لإحياء هذه المناسبة التي تحوّلت إلى محطة سنوية لتأكيد إرث الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وللتعبير عن الوفاء للرئيس سعد الحريري، على الرغم من غيابه عن المشهد السياسي. هذا العام، تأتي الذكرى في ظل متغيرات سياسية عميقة، ما يجعلها استثنائية عن سابقاتها، بحيث تُرفع شعارات تعكس حنين المناصرين واشتياقهم الى عودة “الزعيم”، تحت عنوان “بالعشرين ع ساحتنا راجعين”، في إشارة إلى التجمع الجماهيري المنتظر في وسط بيروت.

التحضيرات لهذه الذكرى بدأت فعلياً بين أنصار تيار “المستقبل” ومحبي الرئيس الحريري، الذين يحرصون على إبقاء جذوة التيار مشتعلة على الرغم من كل التحديات. في جولتنا على المنطقة، لمسنا حماسة لافتة لدى الأهالي والمناصرين الذين يعتبرون هذا اليوم فرصة لتجديد العهد والولاء لمسيرة الحريرية السياسية.

مختار بيروت – المزرعة، عبد الهادي كمال العبيدي، أكد لموقع “لبنان الكبير” أن الوجهاء والمخاتير أخذوا على عاتقهم مسؤولية تنظيم هذه الذكرى واحيائها بما يليق بمكانتها الوطنية، قائلاً: “بدأنا التحضيرات منذ الآن، لأننا نؤمن بأن ذكرى 14 شباط ليست مجرد مناسبة عابرة، بل محطة نعيد فيها التأكيد على معاني الإعمار، الوحدة، والوفاء للبنان. ومن هنا، ندعو جميع محبي الرئيس الشهيد رفيق الحريري، وكل من يؤمن بالنهج الوطني الذي أسسه، للنزول إلى الشارع والمشاركة في هذه الوقفة اللبنانية الواحدة.”

في الأيام الأخيرة، خرجت مسيرات في شوارع بيروت وانطلقت من طريق الجديدة تحديداً، جابت الأحياء رافعة صور الرئيس سعد الحريري، إلا أن التطورات الأخيرة، لا سيما بعض الإشكالات التي افتعلها مناصرو “حزب الله”، دفعت تيار “المستقبل” إلى دعوة مناصريه لتجنب المسيرات الجوالة، تفادياً لأي احتكاك قد يفسد طابع الذكرى.

وجاءت هذه الدعوة بعدما شهدت العاصمة بيروت وضواحيها تحركات ومسيرات تسببت في توترات واستفزازات مدانة، ما حدا بقيادة التيار إلى التشديد على ضرورة الحفاظ على الطابع السلمي لهذه المناسبة، بعيداً عن أي تصعيد غير محسوب.

أبو عزيز، الناشط الاجتماعي في طريق الجديدة، أكد لموقع “لبنان الكبير” أن التحضيرات لهذا اليوم تتم بصورة عفوية ومن دون أي تنظيم رسمي، معتبراً أن “هذه الذكرى لم تعد مجرد مناسبة، بل أصبحت واجباً على كل من أحب الرئيس الحريري وآمن بمشروعه. طريق الجديدة كانت وستظل وفية له، وحضوره فيها كان بمثابة الروح التي تحييها، ومع غيابه، نشعر بفراغ كبير. اليوم، نرفع الصوت مجدداً ونطالبه بالعودة، ليس لمحبيه وحسب، بل أيضاً للبنان الذي يحتاج اليه.”

شارك المقال