السعودية تتألق اقتصادياً… قوة مالية واستراتيجيات تدعم “رؤية 2030”

هدى علاء الدين

تتألق المملكة العربية السعودية في المشهد الاقتصادي العالمي بفضل قوتها المالية واستراتيجياتها المدروسة التي تدعم “رؤية 2030” الهادفة إلى تحويل اقتصادها من الاعتماد التقليدي على النفط إلى اقتصاد متنوع وقوي يعتمد على الابتكار والتكنولوجيا والتنمية المستدامة.

وفي هذا الاطار، أكدت وكالة التصنيف الائتماني “فيتش” تصنيفها للمملكة العربية السعودية عند (A+) مع نظرة مستقبلية مستقرة، مشيرةً إلى أن هذا التصنيف يعكس المتانة المالية القوية للمملكة وقدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية. وفي تقريرها الصادر حديثاً، أوضحت الوكالة أن المركز المالي للسعودية يتمتع بقوة استثنائية، مدعوماً بعدة عوامل رئيسية، أبرزها انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي، وارتفاع صافي الأصول الأجنبية السيادية، التي تتجاوز المتوسطات المقررة لتصنيفات الائتمان ضمن فئتي (A) و(AA).

كما أشارت “فيتش” إلى أن المملكة تمتلك احتياطات مالية ضخمة، تشمل ودائع وأصولاً أخرى في القطاع العام، ما يعزز قدرتها على التكيف مع التقلبات الاقتصادية، ويُسهم في الحفاظ على استقرارها المالي على المدى الطويل.

توقعات إيجابية

بحسب تقديرات “فيتش”، من المتوقع أن يشهد الاقتصاد السعودي انتعاشاً في العام 2025، حيث يُتوقع أن يتماشى إنتاج النفط عموماً مع اتفاق “أوبك+” بدءاً من ديسمبر/كانون الأول 2024. هذا يعني أن القطاع النفطي سيشهد توسعاً بنسبة 2.7 في المئة في 2025، و6.4 في المئة في 2026.

وتوقعت الوكالة أيضاً أن يبلغ صافي الأصول الأجنبية السيادية 63.7 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي خلال الفترة بين 2024-2025، وهو مستوى أعلى بكثير من المتوسط التصنيفي لفئة “A” الذي يبلغ 8.7 في المئة، ما يعكس قدرة المملكة على الحفاظ على سيولة مالية قوية، وهو ما يعزز استقرارها الاقتصادي.

وأكدت “فيتش” استمرار الاصلاحات المالية في المملكة التي تهدف إلى تعزيز مرونة الموازنة العامة في مواجهة تقلبات أسعار النفط، مشيرة إلى أن قطاع الصادرات غير النفطية سيشهد نمواً قوياً في المستقبل، إلى جانب تراجع العجز في ميزان الخدمات، وهو ما يدفعه النمو المتسارع في الأنشطة الاقتصادية غير النفطية.

وفي ما يتعلق بالقطاعات غير النفطية، لفت تقرير الوكالة إلى أن محركات النمو في الناتج المحلي الاجمالي غير النفطي قوية ومتنوعة، ولديها مرونة أمام انخفاض أسعار النفط المتوقع على مدار فترة التوقعات. وسوف يعزز هذا الزخم القوي للإصلاحات والنفقات الرأسمالية الحكومية وكيانات القطاع العام، ما سيدفع تكوين رأس المال الثابت الاجمالي نحو مستوى مرتفع على المدى الطويل يصل إلى 30 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي.

وقد بلغ نمو القطاعات غير النفطية في 2024 نسبة 4.3 في المئة، بقيادة تجارة الجملة والتجزئة والنقل والبناء. وتتوقع “فيتش” أن يستمر هذا النمو بالوتيرة نفسها في عامي 2025 و2026. ومن المتوقع أن يحدث هذا النمو في بيئة منخفضة التضخم، حيث بلغ متوسط التضخم في 2024 نسبة 1.7 في المئة. ومن المنتظر أن تحافظ قوة العملة والفجوة الانتاجية السلبية وإعادة معايرة المشاريع الحكومية على إبقاء متوسط التضخم السنوي أقل من 2 في المئة.

عودة النمو

في السياق ذاته، أظهرت التقديرات الحكومية الأولية أن الاقتصاد السعودي عاد إلى النمو في العام 2024، حيث سجل الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي ارتفاعاً بنسبة 1.3 في المئة مقارنة بالعام السابق، مدفوعاً بصورة رئيسية بنمو القطاع غير النفطي.

ووفقاً للتقرير الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، سجلت الأنشطة غير النفطية نمواً بنسبة 4.3 في المئة في 2024، متفوقة على القطاعات الأخرى. وعلى الرغم من تراجع الأنشطة النفطية بنسبة 4.5 في المئة، إلا أن الأنشطة الحكومية سجلت نمواً بنسبة 2.6 في المئة.

ويُعتبر هذا الأداء القوي في الربع الرابع من 2024، الذي بلغ 4.4 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، هو أعلى معدل نمو ربع سنوي في العامين الماضيين. يعود هذا الأداء بصورة رئيسية إلى نمو الأنشطة غير النفطية بنسبة 4.6 في المئة.

وكان الاقتصاد السعودي قد شهد انكماشاً بنسبة 0.8 في المئة في 2023 نتيجة لتخفيضات إنتاج النفط وتراجع أسعاره، ما أثر على نمو الاقتصاد السعودي، باعتباره أكبر مُصدِّر للخام في العالم.

الأنشطة غير النفطية واستراتيجيات التنويع

أكد وزير المالية السعودي محمد بن عبدالله الجدعان، أن الاقتصاد السعودي يتمتع بمتانة مالية كبيرة، مشيراً إلى أن الأنشطة غير النفطية شكلت 52 في المئة من الناتج المحلي الاجمالي الحقيقي خلال الربع الثالث من العام 2024. وأضاف أن نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي لا تزال منخفضة، مع استمرار نمو الايرادات غير النفطية، ما يعكس نجاح الاصلاحات الاقتصادية التي عززت من قوة الاقتصاد السعودي واستدامته. ولفت إلى أن المملكة تتمتع بإحدى أسرع أسواق رأس المال نمواً وتطوراً على مستوى العالم، مدفوعة بالإصلاحات المستمرة التي تهدف إلى تعزيز التنافسية وجذب الاستثمارات.

كما شدد الجدعان على أهمية رأس المال البشري السعودي، بما يملكه من خبرات في مجالات الطاقة التقليدية والمتجددة، ودوره في تعزيز التعاون مع الصناعات الألمانية المتقدمة، بما يساهم في تحقيق مستهدفات رؤية السعودية 2030.

وفي إطار جهود المملكة لتعزيز الاستثمارات الأجنبية، أشار الجدعان إلى تنفيذ إصلاحات رئيسية، مثل تحديث قانون الاستثمار وتبسيط اللوائح التنظيمية، بهدف تحفيز البيئة الاستثمارية وجعلها أكثر جاذبية. وأكد أن هذه الاصلاحات تدعم التنويع الاقتصادي وتعزز مكانة المملكة كوجهة استثمارية عالمية، بما يتماشى مع مستهدفات “رؤية 2030”.

نحو تحقيق أهداف “رؤية 2030”

تواصل المملكة العربية السعودية تعزيز قوتها الاقتصادية بفضل استراتيجيات مالية متينة وإصلاحات هيكلية طموحة، ما يعكس قدرتها على التعامل مع التحديات الاقتصادية العالمية. وتبرز التوقعات المستقبلية المتفائلة بفضل نمو القطاعات غير النفطية، التي تلعب دوراً محورياً في تحقيق التنوع الاقتصادي، وتقليل الاعتماد على النفط. وتؤكد هذه الاصلاحات، بالاضافة إلى التحسن الملحوظ في الأداء الاقتصادي على مستوى القطاعات المختلفة، أن المملكة على المسار الصحيح نحو تحقيق أهداف “رؤية 2030”. ومع استمرار تعزيز بيئة الأعمال تظل المملكة في طليعة الاقتصادات التي تتمتع بإمكانات نمو قوية وقادرة على التكيف مع متغيرات الاقتصاد العالمي، ما يعزز مكانتها كمركز اقتصادي إقليمي ودولي قادر على جذب المزيد من الاستثمارات.

شارك المقال