القطاع الصحي في غزة يُصارع الموت

تالا الحريري

منذ السابع من تشرين الأول 2023، شهد قطاع غزة واحدة من أسوأ الأزمات الانسانية في تاريخه الحديث، بتعرضه لحملة إبادة إسرائيلية شاملة أدت إلى تفاقم الأوضاع الصحية بصورة غير مسبوقة. ويواجه القطاع الصحي في غزة تحديات هائلة، تتمثل في تدمير المنشآت الطبية، ونقص الأدوية والمستلزمات الطبية، بالاضافة إلى الأعداد الهائلة من المصابين والجرحى. هذه الظروف الصعبة أدت إلى انهيار النظام الصحي، الذي كان يعاني أصلاً من نقص الموارد والامكانات نتيجة الحصار المستمر.

ومع ارتفاع عدد الضحايا وتدمير البنية التحتية للمرافق الصحية، أصبح الوضع أكثر تعقيداً، ما أدى إلى تفاقم الأزمات الصحية والنفسية بين السكان، والتي تتجاوز تداعياتها حدود الأرقام والاحصائيات، لتصل إلى عمق معاناة الناس الذين فقدوا الأمل في الحصول على الرعاية الصحية الأساسية.

في ظل هذا الوضع المأساوي، يواجه القطاع الصحي تحديات هائلة تتطلب استجابة عاجلة وشاملة. ويبدأ الحديث عن زمن التعافي، الذي يمتد على مدى سنوات عديدة، بحيث تحتاج المؤسسات الصحية إلى إعادة بناء وتزويدها بالموارد اللازمة لتلبية احتياجات السكان.

مدير دائرة التمريض في مستشفى غزة الأوروبي الدكتور صالح الهمص أكد لـ”لبنان الكبير” أنّ “القطاع الصحي في غزة في الوقت الحالي وبعد 15 شهراً من المعاناة يصارع الموت لتقديم الخدمة بعد الاستهداف الممنهج من العدو. عدد الشهداء العاملين في القطاع الصحي وصل الى 1100 شهيد وعدد المعتقلين تخطّى الـ 300 ومنهم من استشهد في المعتقل”.

وأشار الى أن “اسرائيل حاولت كسر صمود المواطنين من خلال مهاجمة المنظمات الصحية، وهذا ما شهدناه في الشمال ومثال على ذلك مستشفى كمال عدوان واعتقال مدير المستشفى الدكتور حسام أبو صفية والعاملين معه. وأي مؤسسة صحية تدعم صمود الأهل كان العدو يهاجمها بالاستهداف أو القتل أو التدمير، وبداية الجريمة كانت في مستشفى المعمداني ومن ثم انتقلت إلى مستشفى الشفاء والاندونيسي ومجمع ناصر ومستشفى غزة الأوروبي وغيرها”.

وأوضح الهمص أنّ “عدد المستشفيات في قطاع غزة كان 13 مستشفى ما بين تقديم خدمة صحية للأطفال وللكبار والمستشفى الطبي النفسي وغيره. تقلصت هذه المستشفيات إلى ثلاثة وتم اغلاق معبر رفح، الذي بنتيجته فقدنا الكثير من الأرواح لعدم تمكنها من السفر، أضف الى ذلك الحصار الذي شهدناه قبل ٧ أكتوبر”.

أن يتكدس أهل قطاع غزة في شريط ساحلي ضيق ويتم التركيز على 3 مستشفيات رئيسية: مستشفى شهداء الأقصى، مجمع ناصر ومستشفى غزة الأوروبي، كان له تأثير شديد، إلى جانب الاستهداف شبه اليومي واستقبال عشرات المصابين في الضربة الواحدة. وبالنسبة الى المستشفيات الميدانية التي أُنشئت، فلم تكن بالمستوى المطلوب من حيث عدد الاسرّة أو التجهيزات، بحسب الهمص.

وذكّر بأنّ “هناك فترة من الفترات تفشى فيها شلل الأطفال نتيجة حالة التكدس في الخيام وتلوث المياه، وكانت هناك حملة من منظمة الصحة العالمية بالتعاون مع شركاء في المؤسسات الدولية الصحية لانقاذ هؤلاء الأطفال عبر تطعيمهم للحد من تأثير هذا الأمر، بحيث فقدنا عدة أرواح نتيجة لذلك. إلى جانب أمراض الصيف والشتاء كالعادة ومرض الجهاز التنفسي نتيجة العيش في الخيام وعدم وجود بيئة صحية، يضاف اليها الذين يعانون من أمراض معينة أو المصابون”.

ولفت الى أنّ “القطاع الصحي حاول أن يتعامل مع هذه الأحداث على الرغم من حالة النزوح والهدم وحالة التشريد وضعف الامكانات والرواتب، ومع ذلك صمد العاملون وقدموا الخدمة الصحية ما استطاعوا اليه سبيلاً من حيث المواد والمستشفيات المتوافرة ونحن نشعر بالفخر لأننا لم نخذل مواطنينا”.

وعن الخطوات اللازمة لتعزيز نظام الرعاية الصحية، قال الهمص: “أولاً يجب وقف الحرب، ثانياً ادخال المساعدات، ثالثاً التوقف عن استهداف الطواقم الصحية، رابعاً السماح بدخول مواد الاعمار واعادة ترميم المستشفيات. وبالتالي الوقت الذي سيأخذه القطاع الصحي للتعافي يعتمد على عدة متغيرات ومنها تحويل الحالات الخطرة الى خارج قطاع غزة للعلاج، اطلاق سراح المعتقلين من الكادر الصحي، وقف الاستهداف وتزويد المستشفيات بالمواد والمستلزمات”.

وأضاف: “كنا نأمل أن يساهم المجتمع الدولي في اعادة بناء القطاع الصحي لكنه لم يساهم في انقاذ الانسان، لذلك توقعاتنا ليست كبيرة في ما يتعلق باعادة بناء القطاع الصحي من المجتمع الدولي، لكنه سيُبنى بفضل أهل غزة والعاملين فيه وهذا ما عاهدناه على غزة وشعبها”.

شارك المقال