لبنان يشهد بوادر تعافٍ اقتصادي وتحسن في مناخ الأعمال

هدى علاء الدين
اقتصاد بيروت

شهد الاقتصاد اللبناني في الأسابيع الأخيرة بوادر انتعاش ملحوظة، مدفوعة بتحسّن مناخ الأعمال وزيادة ثقة الشركات بالمستقبل. يأتي هذا التطوّر في ظل متغيرات سياسية واقتصادية إيجابية أسهمت في تعزيز النشاط التجاري لشركات القطاع الخاص، ما انعكس بصورة مباشرة على مستويات الإنتاج والطلب. كما شهدت بيئة الأعمال تحسّناً تدريجياً، وسط استقرار نسبي في التكاليف وتوجّه الشركات نحو استراتيجيات أكثر مرونة في إدارة الأسعار والمخزونات. وعلى الرغم من استمرار بعض التحديات، فإن المؤشرات الحالية توحي بإمكان تحقيق نمو مستدام شريطة توافر الظروف الملائمة، لا سيما على صعيد الاستقرار السياسي والاصلاحات الاقتصادية.

وفي التفاصيل، أظهرت قراءة مؤشر مديري المشتريات الرئيسي الصادر عن بنك “لبنان والمهجر” التابع لـ “ستاندرد آند بورز” لشهر كانون الثاني 2025 انتعاشاً قوياً في النشاط التجاري لشركات القطاع الخاص اللبناني، حيث ارتفعت مؤشرات الطلبيات الجديدة والانتاج للمرة الأولى منذ ثمانية عشر شهراً، وبأسرع وتيرة نمو منذ أيار 2013. ويعكس هذا التحسّن استجابة الشركات اللبنانية لمجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية، أبرزها انتخاب رئيس جديد للجمهورية، ما عزّز ثقة مجتمع الأعمال ودفع التوقعات المستقبلية للنمو إلى أعلى مستوياتها منذ بدء المسح قبل اثني عشر عاماً.

تحسّن ثقة الشركات وانتعاش النشاط الاقتصادي

وفقاً للبيانات الميدانية، ساهم انتخاب رئيس جديد في تحسين مناخ الأعمال، بحيث ارتفعت مستويات التفاؤل بين الشركات اللبنانية بصورة غير مسبوقة. شكّل الاستقرار السياسي عاملاً رئيسياً في دفع عجلة النمو، إذ أبدى المشاركون في الاستطلاع تفاؤلاً متزايداً بشأن مستقبل النشاط التجاري، ما انعكس بصورة واضحة على معدلات الطلب والانتاج. وكان لارتفاع الطلب المحلي الدور الأكبر في تعزيز المبيعات، بينما ظل الطلب الخارجي مستقراً من دون تغيّر يُذكر مقارنة بشهر كانون الأول 2024. وأدى هذا التحسّن إلى تراكم الأعمال غير المنجزة لدى الشركات، في أول ارتفاع يسجّل منذ أيلول 2023، وبأعلى معدل منذ بدء المسح في أيار 2013، ما يعكس زيادة في النشاط الاقتصادي والضغوط على القدرات التشغيلية.

تأثير اتفاق وقف النار على الطلب

أفاد بعض المشاركين في المسح بأن اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحركة “حماس” ساهم في تحسّن الطلب، بحيث أدّى تراجع التوترات الاقليمية إلى زيادة ثقة المستهلكين والمستثمرين، ما انعكس إيجاباً على أنشطة الأعمال. وعلى الرغم من استقرار الطلب الخارجي، فإن عدم تراجعه يُعد تحسّناً ملحوظاً مقارنة بالنصف الثاني من العام 2024، الذي شهد انخفاضاً كبيراً في الطلبيات التصديرية.

تحسّن ظروف التوريد واستقرار التوظيف

وأشارت بيانات المؤشر إلى تحسّن في أداء سلاسل التوريد، بحيث ساهم تسريع عمليات التخليص الجمركي في تقليل فترات انتظار تسلم المواد الأولية، ما ساعد الشركات على تلبية الطلب المتزايد. ونتيجة لذلك، شهدت مخزونات مستلزمات الإنتاج والمواد الخام نمواً بأسرع معدل في تسعة أشهر. وفي ما يخص سوق العمل، حافظت شركات القطاع الخاص اللبناني على مستويات التوظيف من دون تغيير، ما يشير إلى استقرار القوى العاملة على الرغم من ارتفاع الطلبيات الجديدة. ويعكس هذا الأمر نهج الشركات الحذر في إدارة الموارد البشرية، بحيث فضّلت الحفاظ على مستويات التوظيف الحالية بدلاً من التوسّع السريع.

انخفاض الضغوط التضخمية على التكاليف والأسعار

كما أظهرت بيانات المسح تراجع الضغوط التضخمية، بحيث انخفض معدل تضخم أسعار المشتريات إلى أدنى مستوى في ثمانية أشهر، بينما بقيت تكاليف الموظفين مستقرة. وعلى الرغم من أن بعض الشركات رفع أسعار منتجاته وخدماته، فإن الزيادة كانت طفيفة، وسجّلت أدنى مستوى منذ آب 2024. ويُعزى انخفاض الضغوط التضخمية إلى عدّة عوامل، منها استقرار أسعار المواد الخام العالمية، وتحسّن سلاسل التوريد، بالاضافة إلى نهج الشركات الحذر في تسعير منتجاتها للحفاظ على تنافسيتها في السوق. وساهمت هذه العوامل مجتمعة في الحدّ من تأثير التضخم على المستهلكين، ما قد يساعد في دعم استقرار القدرة الشرائية وتعزيز النشاط الاقتصادي.

تفاؤل قياسي بمستقبل الاقتصاد اللبناني

على صعيد التوقعات، شهدت ثقة شركات القطاع الخاص اللبناني تحسّناً كبيراً، بحيث سجّلت مستوى قياسياً جديداً في كانون الثاني 2025. وربطت الشركات هذه التوقعات الايجابية بعدد من العوامل، أبرزها انتخاب رئيس جديد للجمهورية، واستقرار الأوضاع السياسية، وتحسّن بيئة الأعمال، ما يعزّز مناخ الاستثمار ويشجع على ضخ المزيد من رؤوس الأموال في الاقتصاد. ويعكس هذا التفاؤل المتزايد توجهاً إيجابياً للقطاع الخاص اللبناني، بحيث تتوقع الشركات استمرار التحسّن في الطلب والاستثمار، ما قد يُمهّد لمرحلة جديدة من النمو الاقتصادي، شرط استمرار الاستقرار السياسي واستكمال الاصلاحات الاقتصادية الضرورية.

مؤشرات إيجابية لكن بتحديات مستمرة

وبالنظر إلى جميع المعطيات، يشير ارتفاع مؤشر مدراء المشتريات من 48.8 نقطة في كانون الأول 2024 إلى 50.6 نقطة في كانون الثاني 2025 إلى تحسّن ملموس في النشاط الاقتصادي، ما يعكس فرصاً جديدة للنمو في ظل بيئة أعمال أكثر تفاؤلاً واستقراراً، بحيث تجاوز المؤشر المستوى المحايد للمرة الأولى منذ تموز 2023، ليسجّل أعلى معدل نمو شهري منذ أيار 2013. ومع أن المؤشرات العامة إيجابية، لا تزال هناك تحديات قائمة، مثل الحاجة إلى استمرار الاستقرار السياسي، وتعزيز القدرة التنافسية للشركات، وتحقيق نمو مستدام في الطلب المحلي والخارجي. كما أن الحفاظ على معدلات التضخم المنخفضة وضمان استقرار التكاليف سيظلان عاملاً حاسماً في دعم النمو الاقتصادي خلال الأشهر المقبلة.

شارك المقال