“البيجر” الذهبي ورسالة أورتاغوس سرّعا ولادة الحكومة

زياد سامي عيتاني

على وقع الغارات الاسرائيلية على لبنان، ليل الخميس، وفشل تشكيل الحكومة الجديدة في ربع الساعة الأخير، أطلّت نائبة المبعوث الأميركي الخاص إلى الشرق الأوسط مورغان أورتاغوس من قصر بعبدا، بصورة نافرة تفتقد “السلاسة” و”اللياقات” الديبلوماسية، لتوجّه رسالة حازمة إلى الزعماء اللبنانيين، مفادها عدم التسامح مع النفوذ غير المقيّد لـ”حزب الله” وحلفائه على تشكيل حكومة جديدة، وسط معلومات أشارت إلى أنها حملت في جعبتها رسالة أميركية، مفادها أن لبنان سيواجه عزلة أعمق ودماراً اقتصادياً، ما لم يشكّل حكومة ملتزمة بالاصلاحات والقضاء على الفساد والحدّ من قبضة “حزب الله”.

وقد جاء هذا الموقف الأميركي بعد أيام قليلة على الاعلان عن هدية رمزية مثيرة للجدل “بيجر” (ذهبي) من رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، ليثير المزيد من التساؤلات بشأن الترابط بين الملفات السياسية في المنطقة، وإنعكاسها على الوضع اللبناني، الأمر الذي يجعل لبنان بين المطرقة الأميركية والسندان الاسرائيلي، إذ إن الموقف الأميركي الصارم تجاه “حزب الله” يعكس تحولاً في استراتيجية واشنطن في التعامل مع الملف اللبناني، بحيث انتقلت من سياسة الاحتواء إلى فرض خطوط حمرٍ واضحة.

وما بين المشهدين، قرأ المسؤولون اللبنانيون التحديات الكبرى التي تواجه لبنان، والتي تبقى أكبر بكثير من كلّ التفاصيل اليومية اللبنانية المرتبطة بالحصص وبتسمية وزير من هنا أو من هناك، التي عطلت ولادة الحكومة الخميس الماضي، الأمر الذي دفع أركان الحكم في لبنان الى أن يجهدوا في الساعات الأخيرة بمواكبة دولية وعربية لاحتواء تداعيات تعثر ولادة الحكومة الأولى للعهد ظهر الخميس، بحيث استمرت الاتصالات وبزخم كبير من الرئيس جوزاف عون للحيلولة دون أزمة حكم ونظام وأزمة ثقة، إذ إن صدمة تأجيل إعلان الحكومة الأولى للعهد لم تقطع الطريق على التوصل إلى تسوية تؤدي إلى نقل التشكيلة إلى الضفة الأخرى لجهة الولادة، من خلال تكثيف الاتصالات لتذليل العراقيل التي حالت دون إعلانها الخميس.

وكشفت مصادر مواكبة أن المبعوثة الأميركية على الرغم من موقفها المتشدد، بحثت مع المسؤولين اللبنانيين، خصوصاً مع الرئيس نبيه بري في إيجاد مخارج لمسألة الحكومة، لما له من صولات وجولات مع الموفدين الأميركيين في هذا المجال، وإجادته تدوير الزوايا مع مفاوضيه الأميركيين ابتداء من حرب العام 2006، وصولاً إلى اتفاق وقف إطلاق النار للحرب الأخيرة. ولم تستبعد المصادر أن تكون المحادثات بين بري وأورتاغوس قد ساهمت بصورة كبيرة في إخراج التشكيلة الحكومية من عنق الزجاجة.

وهكذا ولدت حكومة نواف سلام في أقل من شهر خلافاً للمدة التي كان يستغرقها تأليف الحكومات في السنوات الماضية وتحديداً منذ العام 2009 حين لم يستطع الرئيس سعد الحريري تشكيل حكومته الأولى إلا بعد 134 يوماً، بينما احتاج الرئيس نجيب ميقاتي إلى 139 يوماً لتأليف حكومته الثانية في العام 2011. فيما كسر الرئيس تمام سلام الأرقام القياسية إذ لزمه 315 يوماً لتشكيل حكومته عام 2014. فبعد أن طرحت أكثر من تسمية لحل عقدة الوزير الشيعي الخامس، وإعتذار ناصر السعيدي عن قبول التوزير وطرح اسم نائب حاكم مصرف لبنان الأسبق رائد شرف الدين الذي اصطدم برفض “الثنائي الشيعي”، حمل الرئيس المكلف ثلاثة أسماء جديدة إلى الاجتماع الثلاثي في بعبدا هي فادي مكي وسعد الدين الزين وكامل مهنا ليتم التوافق على أحدها فرسا الأمر على فادي مكي وهو شريك ومدير تنفيذي لشركة “بوسطن كونسلتينغ غروب”، فانتهت الأمور الى وضع الصيغة النهائية لحكومة العهد الأولى.

لكن المصادر المتابعة تعود لتؤكد أن المطلوب من الحكومة المنتظرة اتخاذ قرارات جدية وجذرية في ملفات عديدة، سياسياً وفي موضوع السلاح. وهذا ما جعل الرئيس نواف سلام يضمن عدم تفجيرها من الداخل، من خلال عدم منح أي طرف “الثلث المعطل”، أو تعطيلها بذريعة “الميثاقيّة” في حال انسحب وزراء منها، لذلك إصراره على تسمية شخصية خامسة لا تنتمي الى “الثنائي”.

تنتظر حكومة سلام تحديات كبرى، أبرزها إعادة الاعمار وتطبيق اتفاق وقف إطلاق النار الذي ينصّ على انسحاب إسرائيل من مناطق دخلتها في الجنوب والالتزام بقرار مجلس الأمن الدولي 1701 الصادر في العام 2006 والذي من بنوده ابتعاد “حزب الله” عن الحدود، ونزع سلاح المجموعات المسلحة في لبنان وحصره بالقوى الشرعية دون سواها.

التحدي الأول أمام الحكومة “السلامية” هو البيان الوزاري، الذي سيشكل خريطة طريق لعملها، وفقاً لمقتضيات المرحلة بأبعادها المحلية والخارجية، فضلاً عن التهديدات الاسرائيلية بعدم الإنسحاب من خمس نقاط إستراتيجية، ما يبقي خطر إمكان تجدد الحرب إحتمالاً وارداً.

شارك المقال