لبنان يبحر في سفينة أميركية!

أنطوني جعجع

“نحن الآن في سفينة أميركية يقودها رجل جامح اسمه دونالد ترامب وعلينا أن نتوقع أي شيء وكل شيء”.

هذا ما يتردد في الأوساط السياسية التي واكبت زيارة الموفدة الأميركية الى بيروت مورغان أورتاغوس، والتحولات السريعة التي طفت الى السطح فجأة بين عين التينة والسراي وصولاً الى اعلان التشكيلة الحكومية في قصر بعبدا، مشيرة الى أن شيئاً ما في جعبة واشنطن أسقط شروطاً وفرض شروطاً، ودفع الرئيس نبيه بري الى اقناع “حزب الله” بأن الحصول على الممكن يبقى أفضل من البقاء في الفراغ.

أورتاغوس، حسب الأوساط عينها، حرصت على إفهام المسؤولين اللبنانيين أنها ليست في زيارة تعارف، مؤكدة أنها تعرفهم وتعرفهم جيداً، وأنها لن تعود الى واشنطن خالية الوفاض لأن ذلك لن يكون خبراً طيباً لدى الرئيس الأميركي دونالد ترامب.

وكشف مصدر قريب من عين التينة أن الموفدة الأميركية أبلغت الى بري أن عصر جو بايدن قد انتهى، وأنه الآن في عصر ثنائي أميركي – اسرائيلي يعمل من دون تردد أو تحفظات لتغيير وجه الشرق الأوسط، والقضاء على كل ما يمت الى ايران وأذرعها بصلة، محذرة من أن أي ارتباط له مع محور الممانعة سواء عبر العاطفة الطائفية أو المصلحة السياسية، ستجعله عدواً للادارة الأميركية الجديدة.

وأضاف المصدر أن بري، الذي يقرأ التاريخ جيداً، أدرك أنه لا يملك السلاح أو الحليف أو الظروف التي تسمح له باسقاط القرار ١٧٠١ كما كان عليه الوضع عندما ساهم في اسقاط اتفاق “السابع عشر من أيار” في زمن الرئيس أمين الجميل، مدعوماً من سوريا والاتحاد السوفياتي والمعسكر الشرقي عن آخره.

وما قالته الموفدة الأميركية في عين التينة قالته في منزل الرئيس نواف سلام وفي قصر بعبدا ولو بطريقة مختلفة، محذرة من أي مسايرة أو تراخ أو ثعلبة يمكن أن تعطي الثنائي الشيعي أي ثغرة قد يتحكم من خلالها بمسار الحكم الجديد في لبنان أو بما يتقرر في الشرق الأوسط.

وأكثر من ذلك، تردد أن أورتاغوس لم تجد أي صعوبة أو أي تحفظ في كشف حرص الولايات المتحدة على أمن اسرائيل وعلى الحؤول دون أي أمر يمكن أن يهدد هذا الأمن سواء جاء من “حزب الله” أو “حماس” أو حتى ايران نفسها، مؤكدة أن القرار ١٧٠١ وضع كي ينفذ بكل مندرجاته من دون أي مواربة أو مماطلة كما حدث بعد حرب تموز في العام ٢٠٠٦.

تحذيرات أورتاغوس التي واكبتها غارات اسرائيلية في الجنوب والبقاع وتحليق فوق بيروت، اضافة الى مواقف من ترامب لم يستبعد فيها قصف ايران، فعلت فعلها في الضاحية الجنوبية التي وجدت نفسها بين واحد من خيارين: اما البقاء في الشارع مع بيئتها من دون سلاح ومال ومأوى، واما الدخول في الحكومة بمن تيسر طلباً للحماية السياسية من جهة، ومنعاً لمزيد من الممنوعات الأميركية والعربية والدولية من جهة ثانية، وسعياً الى كسب الوقت في انتظار ما قد يسفر عنه الكباش الأميركي – الاسرائيلي – الايراني من جهة ثالثة.

ونقل عن مصدر في محور الممانعة أن “حزب الله” الذي يعرف أنه هزم تماماً في مواجهة اسرائيل، أراد في السياسة أن تكون هزيمته في مواجهة أميركا وليس في مواجهة المعارضة، الأمر الذي يبين الأسباب التي فككت فجأة عقدة “الشيعي الخامس” وحرمت الشيخ نعيم قاسم من سلاح الثلث المعطل محولة اياه الى مجرد كتلة وزارية داخل الحكومة، وليس حكومة خفية داخل كتلة وزارية.

وأكثر من ذلك أيضاً، تردد أن أورتاغوس تساهلت حيال وجود وزراء مقربين من “حزب الله” في الحكومة، بعدما اشترطت أن ياتي البيان الوزاري المرتقب خالياً من أي اشارة تشرّع الاحتفاظ بالسلاح خارج الدولة أو استخدامه سواء في الداخل أو عبر الحدود، مشيرة الى أن عصر الحروب انطلاقاً من لبنان قد انتهى، وبدأ بدلاً منه عصر التطبيع والشرق الأوسط الجديد.

وقد يقول قائل: وماذا يؤكد صحة ما تردد هنا وهناك؟ الجواب لا يحتمل الكثير من التمحيص، اذ إن نظرة نحو غزة تظهر ماذا ينتظر حركة “حماس” وسكانها في حسابات ترامب وبنيامين نتنياهو، وان نظرة أخرى نحو الحدود الشرقية والشمالية تؤكد أن لا مكان آمناً لـ “حزب الله” اذا حاول ممارسة الأدوار التي كان يمارسها قبل “الثامن من أكتوبر” وقبل سقوط بشار الأسد، وأن مسألة ترسيم الحدود المشرّعة بين سوريا ولبنان بموجب القرار ١٦٨٠ يجب أن تنفذ سريعاً لاستكمال الطوق المفروض على معبر التواصل بين طهران والضاحية.

وليس في هذا الجواب ما يبرر انتهاكات سوريا الجديدة للحدود مع لبنان، بل فيه ما يشير الى أن الهدنة مع اسرائيل لا تعني أن مشكلات “حزب الله” قد انتهت وأنه بات قادراً على تجميع قواه استعداداً لجولات عسكرية جديدة.

“بلى نحن في السفينة الأميركية بقيادة الجامح ترامب”. هذا ما أكده مصدر آخر قريب من محور الممانعة، مشيراً الى أن الفارق الوحيد بين ما أصاب الميليشيات الفلسطينية في حرب العام ١٩٨٢ هو أن ياسر عرفات ورجاله غادروا بيروت بحراً برعاية أميركية، في حين وجد “حزب الله” مكاناً لنفسه في سفينة أميركية رابضة هذه المرة في البر.

شارك المقال