لعيون رفيق لبنان… “البلد ماشي”!

حسناء بو حرفوش
رفيق الحريري

هذه السطور للأجيال الجديدة التي ربما سمعت عن رفيق الحريري ورأت تمثاله قبالة بحر بيروت وتوقفت أمام الشعلة الشاهدة على لحظة توقف فيها الزمن في تاريخ لبنان. فمن هو رفيق الحريري بالنسبة الينا نحن أبناء الثمانينيات وكنا في عام الإغتيال بسنّ شباب اليوم؟ حينها أيضاً، كنا نسمع كثيراً عن رفيق الحريري وفي مجمل الأخبار، ارتبط اسمه بالإعمار وبالتعليم وسبقتنا أجيال ممن تتلمذت في مدرسته واستفادت من المنح التي قدمها للسفر. وعلى الرغم من أننا لم نعرفه عن قرب، ارتبطت سيرته بشعور بالطمأنينة.. طمأنينة من الداخل وطمأنة من الخارج.

في الداخل، بينما غرقت بيروت بين الجراح مدّ يد الخلاص من خلال توجيه الاستثمارات الداخلية والدولية واستثمارها في التنمية والإعمار. عادت العاصمة الى الحياة وعادت السيارات إلى شوارع بيروت. عادت ليالي بيروت وخليات النشاط والحركات الفنية و”الكزدورة” الآمنة بين الأزقة. ومن الخارج، لقينا الترحيب والاستحسان واليد التي تشد على يدنا، ومعاملة الند بالند. وشعرنا بالشرف في المحافل الكبرى وبالفخر بإنجازاتنا وكانت القلوب تصفق كلما رفرف العلم اللبناني.

في ذلك العام المشؤوم، كنا طلاباً نفكر بالعلم ونستذكر نصائح أستاذنا ونستبشر خيراً بـ”البلد ماشي”، على الرغم من كل الصعاب. وكنا على يقين أن باب الفرص مفتوح على مصراعيه لكل الطوائف.. وحدها مؤسسات الحريري لم تطلب منا إشهار “إخراج القيد”. الأبواب مفتوحة أمام الكفاءات وفي المكتب نفسه المسيحي والشيعي قبل السني، ولذلك لم نسمع عن السنية السياسية وإنما عن الحريرية السياسية.

وبينما سعى الرئيس الشهيد بكل ما أوتي من قدرة الى ربط اسم اللبناني بالعلم والإبتكار وفتح أمامه باب المعرفة في الداخل ومن بوابات مطار رفيق الحريري الكبرى ومن مرفأ بيروت إلى كل أصقاع الأرض، كان هناك من يمعن في التفكير بالتخلص من رجل من مدرسة البطريرك حويك وميشال شيحا وكمال جنبلاط نفسها.. مثّل الحريري بكل قناعاته خطراً على الأيديولوجيات الناشئة حينها وعلى الديكتاتورية التي أبت إلا أن تبقي المنطقة على فوهة البركان. الحريري بسنيته المعتدلة وبلبنانيته الطاغية لعب في “أيامنا” دور “الإطفائي” كما وصفه سفير لبنان في أكثر من محفل وأديب الأرز الكبير، صلاح ستيتيه.

وبينما ترتفع صوره في دعوة للعودة إلى ساحة اللبنانيين جميعاً، لا يجد أي كان في نفسه ضغينة أو أدنى شعور بالاستفزاز. وكيف ذلك وهو “الإطفائي” الذي لمّ الشمل وجمع بين الأخوة وتأكد من أن جميع الأصوات مسموعة.

يا شباب اليوم، كنا شباباً آنذاك، ولم يفرقنا لا موعد ولا باب ولا جدار عن الوصول الى رجل جعل من مقاهي بيروت صدفة الملتقى بين الجميع.. لم يشعرنا السن ولا المركز بالبعد عنه بل على العكس تماماً. وجدنا فيه الأب والأخ والجد وترك في نفوس المعارضين قبل المحبين الكثير من الإحترام.

اليوم وأجيالنا تطوي صفحة الشباب، نفخر بالدرس الذي علمنا إياه الرئيس الشهيد حتى في الغياب.. اللبناني أخ اللبناني ولبنان لا يبنى إلا بسواعد كل أبنائه.. لبنان بلد العلم والسفر والحب والحياة، المرفأ والمرسى، مهما ابتعدنا تنادينا الجذور.

يا شباب اليوم، إرث الحريري حي أكثر من أي وقت مضى في سقوط الطغاة وانتصار الوحدة، لا مكان للفتنة بين الأخوة، هكذا علمنا وذلك هو وعد العهد الجديد.. ولعيون رفيق لبنان، “البلد ماشي”!

شارك المقال