سخاء ترامب وكرمه المفرطان في الأخذ من رصيد الفلسطينيين وإيداعه في الرصيد الاسرائيلي يكادان لا يُصدَّقان!
للتذكير، منح إسرائيل القدس، ونقل السفارة الأميركية إليها، ثم أكّد أن الجولان أرض إسرائيلية، وكذلك الأغوار الفلسطينية. فبدا كمن يمنح صديقاً حميماً له شقة في برجه الشهير في نيويورك (برج ترامب). آخر مكارمه وكرمه: العمل على تهجير مليون ونصف المليون مواطن غزّاوي إلى عدة بلدان، أهمها مصر والأردن، حيث تنتظرهم حياة رغيدة سعيدة، بمساكن أحلى وأجمل من مساكنهم ومخيماتهم قبل تدميرها.
بالنسبة لي، فأنا أرى، لا بل أؤمن، أن كل الفلسطينيين مهجّرون، حتى الذين يحملون جنسيات أخرى. فطالما أن الفلسطينيين لا يعيشون في دولة معترف بها، لها كيانها وحدودها وسيادتها، فهم مهجّرون، سواء كانوا في الداخل أم في الخارج! وكأن ذلك لا يكفي الشعب الفلسطيني، حتى يجد نفسه يتلقى دعوة جديدة للهجرة إلى مصر والأردن، لتكتمل بذلك الهجرة الثالثة، بدءاً بفلسطين، مروراً بغزة، وصولاً إلى العرض السخيّ الأخير!
مشروع ترامب مرتبط بمن اختارهم للسياسة الخارجية، وخصوصاً ممثلوه في الشرق الأوسط، أو بالأحرى للشرق الأوسط، بحيث تراهم وكأنهم أعضاء فاعلون في الأحزاب الصهيونية المتطرفة، بل ويكادون يرفضون صفقة القرن حتى!
مطالبة دونالد ترامب بضم كندا إلى الولايات المتحدة، وكذلك دعوته إلى ضم غرينلاند الدنماركية وتهديده بإعادة احتلال قناة بنما، ليست غريبة عن سياقات تاريخية مشابهة حدثت في القرن التاسع عشر، في عهد الرئيس الأميركي الحادي عشر جيمس بولك (1845-1849)، حين غزت الولايات المتحدة المكسيك عام 1848 وانتزعت ولايات كاليفورنيا ونيفادا ويوتا، ومعظم ولايتي أريزونا ونيو مكسيكو، وأجزاء من ولايتي كولورادو ووايومنغ. ولا ننسى أنه في عام 1803 اشترت الولايات المتحدة لويزيانا من فرنسا، كما اشترت ألاسكا من روسيا عام 1867.
أما العرض الأخير الذي تقدم به ترامب في عام 2025 لشراء غزة، فلا ينفع معه “كلام الجرائد”، يا بُني، كما قال الراحل غسان كنفاني، وأكمل: “فأولئك الذين يكتبون في الجرائد عن فلسطين يجلسون في مقاعد مريحة، وفي غرف واسعة فيها صور ومدفأة، ثم يكتبون وهم لم يسمعوا طلقة رصاص واحدة في حياتهم، ولو سمعوا، لتوقفوا عن الكتابة وهربوا إلى حيث لا أدري إلى أين!”
الردّ على ما يحيط بقضية الشعب الفلسطيني بحاجة إلى قيادة لا تشبه سلطة رام الله، ولا تشبه في شيء حركة “حماس” التي تبيع وتشتري في غزة، بل بحاجة إلى رجال، وكما قال غسان كنفاني: “أكتاف الرجال خُلقت لحمل البنادق، فإما عظماء فوق الأرض أو عظاماً في جوفها”.


