جمع الرئيس سعد الحريري خلال مسيرته بين العمل السياسي والاقتصادي في لبنان، متتبعاً إرث والده، الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي وضع الأسس لإعادة إعمار لبنان بعد الحرب الأهلية. الحريري الابن الذي دخل معترك السياسة بعد اغتيال والده في العام 2005، واصل عبر حكوماته التمسك برؤية اقتصادية تهدف إلى تعزيز الاستقرار المالي، جذب الاستثمارات، وتنشيط الاقتصاد اللبناني، على الرغم من البيئة السياسية المشحونة بالتجاذبات والصراعات الداخلية.
وفي كل مرة تولّى فيها رئاسة الحكومة، سعى الحريري إلى إخراج لبنان من أزماته عبر استثمار شبكة علاقاته الاقليمية والدولية، ما منح لبنان الفرصة لتجنب الانهيار مراراً وتكراراً. فقد كان اسمه وحده كافياً لتوليد الثقة بالأسواق المالية والمستثمرين. ومع ذلك، وعلى الرغم من محاولاته المستمرة، واجه سعد الحريري عراقيل متواصلة من أطراف سياسية اعتبرت أي إصلاح اقتصادي حقيقي تهديداً لمصالحها، ما أدى إلى تعطيل خططه الاقتصادية. كافة.
استقطاب الدعم الدولي ومؤتمر “سيدر“
من أبرز محطاته الاقتصادية كان دوره المحوري في حشد الدعم الدولي لمؤتمر “سيدر” الذي عُقد في باريس عام 2018، بعد سنوات من الفراغ الرئاسي، بحيث جمعت تعهدات مالية بلغت قيمتها 11.5 مليار دولار لدعم الاقتصاد. وقدّمت الحكومة اللبنانية أمام المانحين خطة شاملة تتألف من أربع ركائز رئيسية، شملت برنامجاً استثمارياً للبنى التحتية بقيمة 17.2 مليار دولار، وتوازناً مالياً عبر خفض العجز من 10 في المئة إلى 5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بالاضافة إلى إصلاح القطاع العام ومكافحة الفساد لتعزيز الحوكمة الاقتصادية. كما تضمنت الخطة تنويع القطاعات الاقتصادية والخدمية لزيادة القدرة التنافسية للصادرات اللبنانية.
وتحت عنوان “المؤتمر الدولي لدعم التنمية والاصلاحات في لبنان”، انعقد مؤتمر “سيدر” في 6 نيسان 2018 بدعوة من الحكومة الفرنسية، وكان يهدف إلى تأمين التمويل اللازم لتطوير البنية التحتية، وتحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الاستقرار المالي والاجتماعي، خصوصاً في ظل تداعيات أزمة اللاجئين السوريين. قدم المانحون قروضاً وهبات بفوائد منخفضة لدعم لبنان، على أن يتم سداد القروض على مدى 20 عاماً، مع فترات سماح تراوحت بين 7 و10 سنوات، كان أبرزها تعهد البنك الدولي بتقديم 4 مليارات دولار من القروض الميسرة، 750 مليون دولار من البنك الاسلامي للتنمية، 800 مليون يورو من البنك الأوروبي لإعادة التعمير والتنمية. كما جدد صندوق التنمية السعودي قرضاً بقيمة مليار دولار، وقدمت فرنسا قروضاً بقيمة 400 مليون يورو مع 150 مليون يورو كهبات. كذلك، التزمت الكويت بتقديم 180 مليون دولار من القروض، وقطر قدمت 500 مليون دولار قروضاً ميسرة. من جانبها، قدمت هولندا 200 مليون يورو قروضاً و100 مليون يورو مشروطة، بينما قدمت تركيا 200 مليون دولار من القروض. أما الولايات المتحدة، فقدمت 115 مليون دولار كهبات، في حين قدم الاتحاد الأوروبي 150 مليون يورو كهبات لدعم فوائد القروض، والصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية 500 مليون دولار، إلخ…
ومع ذلك، كان تنفيذ الالتزامات التي تعهد بها لبنان مشروطاً بالاصلاحات الضرورية، والتي واجهت عراقيل سياسية حالت دون الافادة الكاملة من هذه الفرصة.
العراقيل السياسية
كان من الواضح منذ البداية أن نجاح “سيدر” يتوقف بصورة رئيسية على قدرة الحكومة اللبنانية على تنفيذ إصلاحات هيكلية تضمن استدامة الدعم الدولي. إلا أن هذه الاصلاحات اصطدمت بعوائق سياسية داخلية، بحيث واجه رئيس الحكومة سعد الحريري، رفضاً قاطعاً من القوى السياسية المتحكمة بمفاصل الدولة. هذه القوى كانت تعتبر أي إصلاح مالي أو إداري تهديداً مباشراً لنفوذها، ما عرقل تنفيذ الخطط المطلوبة للافادة الكاملة من المساعدات الدولية التي كانت في متناول لبنان.
وبالتالي، فإن المواجهة التي خاضها الحريري لم تكن اقتصادية فحسب، بل اتخذت بعداً سياسياً معقداً، بحيث تعرّض لحصار داخلي من أطراف سياسية كانت تخشى أن تؤدي إصلاحاته إلى تقليص سلطتها في الدولة. ففي الوقت الذي كان يسعى فيه إلى تنفيذ سياسة ضبط الإنفاق وترشيد المالية العامة، كان بعض القوى السياسية يعتمد على نظام المحاصصة لضمان نفوذه من خلال التعيينات والموازنات العامة، ما أعاق أي محاولة جادة للإصلاح في مؤسسات الدولة.
اتفاقيات استراتيجية ضائعة
استمرت جهود الحريري الاقتصادية إلى ما بعد مؤتمر “سيدر”. وقبل اندلاع “ثورة تشرين”، كان لبنان على وشك تحقيق إنجاز ديبلوماسي واقتصادي بارز من خلال الاعداد لتوقيع 22 اتفاقية استراتيجية مع السعودية، تميّزت بأهميتها من حيث الشكل والمضمون. جاءت هذه الخطوة في أعقاب زيارة قام بها الرئيس الحريري إلى المملكة، حيث ركّزت المباحثات على تعزيز العلاقات الثنائية وتوسيع آفاق التعاون بين البلدين.
وعملت اللجنة الفنية المشتركة حينها على صياغة هذه الاتفاقيات، التي شملت مجالات حيوية مثل الاقتصاد، التجارة، الاستثمار، المال، الصناعة، القضاء، التعليم، والثقافة، بالاضافة إلى تعزيز التبادل التجاري واستقطاب الاستثمارات السعودية إلى لبنان. وعلى الرغم من أن الاتفاقيات كانت في مراحلها النهائية وتنتظر التوقيع الرسمي، إلا أن الأزمة التي عصفت بلبنان عام 2019 أطاحت هذه الجهود، لتبقى محاولات الحريري في إرساء شراكة اقتصادية متينة بين بيروت والرياض غير مكتملة، بعدما دخلت البلاد في دوامة من الاضطرابات السياسية والاقتصادية.
الورقة الاصلاحية الأخيرة
وفي ظل تعثر تنفيذ الاصلاحات وتوقيع الاتفاقيات، شهد لبنان خلال 2019 تصاعداً في الأزمات الاقتصادية، ما دفع الحريري إلى تقديم ورقة إصلاحية متكاملة في محاولة أخيرة منه لتجنب الانهيار. شملت هذه الورقة خفض رواتب الوزراء والنواب الحاليين والسابقين بنسبة 50 في المئة، إلغاء الصناديق العامة مثل صندوق المهجرين وصندوق الجنوب، وضع سقف لرواتب المسؤولين والمديرين العامين والقضاة، فرض ضرائب جديدة على المصارف وشركات التأمين بنسبة 25 في المئة، إلغاء الامتيازات المالية للبعثات الرسمية، تقنين الإنفاق الحكومي، إعادة العمل بالقروض السكنية لتنشيط قطاع العقارات، إقرار قانون استعادة الأموال المنهوبة وتعزيز مكافحة الفساد، خصخصة قطاع الهاتف المحمول، وتحويل معامل الكهرباء إلى الغاز. لكن على الرغم من أهمية هذه الاصلاحات، اصطدمت مجدداً بمعارضة سياسية واسعة، بحيث رأى بعض الأطراف فيها مسّاً بمصالحه، ما أدى إلى تفاقم الأزمة المالية وانفجار الاحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الأول 2019، والتي انتهت باستقالة الحريري في تشرين الثاني 2019 بعد فشل شركائه في الالتزام بتنفيذ خطته الانقاذية.
تحديات الإصلاح
مثّلت تجربة سعد الحريري في الحكم نموذجاً لتحديات الاصلاح في بيئة سياسية تعاني من التجاذبات والمصالح المتضاربة. فبينما حاول انتشال الاقتصاد اللبناني من أزماته عبر استثمار علاقاته الدولية واستقطاب الدعم، واجه عوائق داخلية حالت دون تحقيق تغيير جذري. وعلى الرغم من الجهود التي بذلها لإنقاذ البلاد من الانهيار، فإن غياب التوافق السياسي واستمرار نهج التعطيل جعلا أي مسار إصلاحي طويل الأمد مهمة شبه مستحيلة.
وعلى الرغم من التحديات الكبيرة، يظلّ الرئيس سعد الحريري عنصراً محورياً في إعادة بناء الثقة بلبنان على المستويين العربي والدولي. فقد كان حضوره السياسي ولا يزال بمثابة صمام أمان، ولم يكن خروجه من المشهد السياسي مجرد استقالة من منصب، بل كان بمثابة مؤشر على مدى تعقيد الأزمات اللبنانية، بحيث ثبت أن أي مشروع إنقاذ اقتصادي يبقى رهيناً لتوافق سياسي كان يصعب تحقيقه حينها.


