“بالعشرين عالساحة راجعين”.. هذا الشعار الذي رفع مع عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان لإحياء ذكرى إغتيال والده شهيد الوطن والأمة الرئيس رفيق الحريري، في إشارة إلى إمكان إعلان الحريري “تعليق” قرار تعليق العمل السياسي لتيار “المستقبل”، فهذا الشعار يكفي لفتح باب الأسئلة الكبرى، حول ما إذا كان يمهّد لكسر القرار الشهير الذي كان قد إتخذه قبل ثلاث سنوات، وجعل الذكرى مجرّد “وقفة صامتة” على ضريح الوالد المؤسّس، بما تحمل من تحسر على الغياب، ولهفة للعودة.
لذلك، فليس حدثاً عابراً أن تشخص الأنظار نحو عودة الرئيس سعد الحريري إلى لبنان، لإحياء الذكرى العشرين لاغتيال والده، وبالتالي أن تتحول هذه العودة إلى حدث إستثنائي، يعوّل عليه على الصعيد الوطني العام، وليس على الصعيد السني فقط، إذ ليس ممكناً التعاطي بصورة عابرة مع هذه العودة، المغلفة بالطابع السياسي هذه السنة، بكل ما سيتخللها من لقاءات ومواقف وإلتفاف شعبي، إضافة إلى ما ستفضي إليه وقائع العودة من تظهير للقرار المنتظر أن يتخذه الرئيس الحريري، خصوصاً وأن سياقات العودة هذا العام أبعد من مجرّد الحضور الى لبنان لإحياء ذكرى 14 شباط.
هذه العودة المتجددة تدفع الجميع (الأوساط السياسية والشعبية) الى التساؤل: هل نضجت لدى الرجل المعطيات التي تدفعه الى كسر قرار الاعتكاف السياسي، الذي اعتمَدَه منذ 24 كانون الثاني عام 2022؟ وبالتالي ما هي “الخطّة” التي يزمع القيام بها؟ حتى إنّ هناك من بدأ يتحدّث عن “سيناريوهات العودة”، انطلاقاً من أنّ الظروف باتت مؤاتية لها أكثر من أيّ وقت مضى، وربما تنسجم مع المقولة الشهيرة التي أطلقها الحريري قبل عام حين سئل عن العودة، فكانت إجابته: “كل شي بوقته حلو”.
المحللون والمتابعون يربطون بين الطابع السياسي لإحياء ذكرى 14 شباط هذا العام، التي تتجاوز العامل العاطفي والوجداني على غرار السنوات الماضية، وبين المتغيرات والتحولات الجذرية والعميقة في المنطقة، وضمناً لبنان، بحيث ينظر إلى الحريري بأنه عامل توازن وازن ومؤثر على صعيد المعادلة الداخلية، بعد الخلل الكبير الذي أصابها عندما إتخذ الحريري القرار الاختياري – الموضوعي بتعليق العمل السياسي والاحتجاب عن مسرحه، عقب سلسلةِ خيْبات ومسار أقرب إلى التنكيل السياسي.
في كل الأحوال، من المتوقع أن تشهد ساحة الشهداء في وسط بيروت حشداً كبيراً غداً الجمعة، في الذكرى الـ 20 لاغتيال الرئيس الشهيد، حيث سيلقي الحريري كلمة بعد تلاوة الفاتحة على ضريح والده بجوار مسجد محمد الأمين.
في هذا السياق، فإن تاريخ 14 شباط 2025، سيكون فاصلاً في مسيرة تيار “المستقبل”، من دون استبعاد أن يعلن الحريري فيه قراراً حاسماً وجازماً من نوع العودة عن تعليق العمل السياسي، ولو بصورة “تدريجية”، وإن لم يكن على المستوى الشخصيّ، فعلى مستوى “التيار” بالحدّ الأدنى، من أجل تأمين الأرضية المناسبة لتكتمل العودة في غضون الأشهر القليلة المقبلة، التي ستكون “حاسمة”، بانتظار الانتخابات النيابية المقبلة، التي لا يخفي بعض القياديّين في تيار “المستقبل”، إنّها يجب أن تكون “بوابة” هذه العودة.
بناء على ذلك، فإنّ ثمة حرص داخل تيار “المستقبل” على تحويل ذكرى اغتيال رفيق الحريري، إلى “استفتاء متجدد” على “زعامة” سعد الحريري، وما يعزّز هذا الاعتقاد، أن ذلك ينطوي على مجموعة من “الرسائل” التي يرغب الرئيس الحريري في إيصالها إلى من يعنيهم الأمر، فقدرته على تأمين حشد جماهيري واسع، على الرغم من غيابه عن العمل السياسي، قد تعني الكثير، بعدما فشل كلّ “البدلاء” في إثبات أيّ “حيثية” يُبنى عليها، من أجل التأسيس لزعامة فعليّة.
لذلك، فإن العامل البارز هذا العام إحياءً لذكرى الرئيس الشهيد، إنخراط تيار “المستقبل” تنظيمياً بكل منسقياته وقطاعاته وبمتابعة دقيقة ولصيقة من أمينه العام أحمد الحريري، تحضيراً للحشود الجماهيرية العريضة المرتقبة يوم غد أمام ضريح الشهيد.


