“خيار الحرب لا يفيد، وسنعمل بالطرق الديبلوماسية، لأن لبنان لم يعد يحتمل حرباً جديدة. والجيش جاهز للتمركز في القرى والبلدات التي سينسحب منها الاسرائيليون”.. هذا الموقف الذي أعلنه رئيس الجمهورية جوزاف عون يختصر الموقف اللبناني الجامع من مواكبة انسحاب اسرائيل من القرى والبلدات التي إحتلتها خلال توسع حرب “الإسناد” التي أعلنها “حزب الله” نصرة لغزة. ولفت عون إلى أن “المهم هو تحقيق الانسحاب الاسرائيلي، وأما سلاح حزب الله فسيأتي ضمن حلول يتفق عليها اللبنانيون”.
وبعد ساعات قليلة على هذا الموقف جاء إقرار مجلس الوزراء لمسودة البيان الوزاري، مكمّلاً موقف رئيس الجمهورية، لا بل وضع هذا الموقف موضع التنفيذ العملي من خلال ما تضمنته المسودة. وأبرز ما جاء في البيان أنه لم يلحظ كلمة “المقاومة” بأي شكل من الأشكال عكس البيانات الوزارية السابقة منذ عقدين من الزمن، بل ذكر أن “الدولة التي نريد هي التي تتحمل بالكامل مسؤولية أمن البلاد، والدفاع عن حدودها وثغورها”، مضيفاً: “تدعو (الحكومة) أيضاً إلى تنفيذ ما ورد في خطاب القسم لرئيس الجمهورية حول حق الدولة في احتكار حمل السلاح، إننا نريد دولة تملك قرار الحرب والسلم، نريد دولة جيشها صاحب عقيدة قتالية دفاعية يحمي الشعب ويخوض أي حرب وفقاً لأحكام الدستور”.
وبذلك، تكون الحكومة قد أسقطت من بيانها الوزاري البند المتعلق بـ”المقاومة”، خلافاً لما درجت عليه مضامينُ البيانات الوزارية للحكومات اللبنانية المتعاقبة منذ العام 2000 (تاريخ الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان، مع تنامي نفوذ “حزب الله”، وإمساكه عنوة بالقرار السيادي اللبناني، مستفيداً من الأوضاع الاقليمية، في ظل صراع المحاور)، وذلك بعد ما يقارب 25 سنة من تحكمه بقرار الحرب والسلم في لبنان استناداً إلى ما يتضمنه البيان الوزاري للحكومات المتعاقبة من بند “المقاومة”.
وما كان لافتاً عقب إنتهاء جلسة مجلس الوزراء، ما كشفه وزير الاعلام بول مرقص من أن “رئيس الجمهورية أشار إلى أن مسودة البيان الوزاري تتضمن نحو 80% من اتفاق الطائف (وثيقة الوفاق الوطني) ونحو 20% من خطاب القسم”، ما يؤكد أن الحكومة ألزمت نفسها، حسب البيان، “وفقاً لوثيقة الوفاق الوطني باتخاذ الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي، وبسط سيادة الدولة على كامل أراضيها بقواها الذاتية، ونشر الجيش في مناطق الحدود المعترف بها دولياً”. وأهمية هذا البند أنه إلتزام رسمي قاطع بجميع القرارات الأممية، التي تجمع على حصرية السلاح الشرعي بيد الدولة، الأمر الذي يعني عملياً إنتفاء أي “شرعية” أو مبرر لأي سلاح خارج نطاق القوى العسكرية والأمنية النظامية.
وتزامن الموقف الرسمي (كلام رئيس الجمهورية والبيان الوزاري) الحاسم وشديد الوضوح مع تمسك لبنان وإصراره على الانسحاب الكامل من الأراضي المحتلة كلها، إذ يكثف أهل الحكم فيه الاتصالات مع عدد من الدول القادرة على الضغط على إسرائيل لتجنب الدخول في مواجهات جديدة. وعلى الرغم من تحفظ الوزراء الذين سمّاهم “حزب الله”، فإن ذلك لا يعني رضوخه لمضمون البيان الوزراي، خصوصاً لجهة خلوه من ذكر كلمة “مقاومة”، لإدراكه أنه لم تعد أمامه هوامش للمناورة في ما خصّ تطبيق القرار 1701 وملحقاته، لا سيما أن إسرائيل لا تتوانى عن إظهار يدها العليا في تطبيق اتفاق 27 تشرين الثاني وفق الموازين التي انتهت إليها الحرب الموسعة وعجز الحزب عن العودة إلى قتال معها لقناعته بأن أي مغامرة ستكون هذه المرة أكثر ضراوة عليه وعلى بيئته ولبنان عموماً، مع التناغم الأميركي – الاسرائيلي حيال نزع سلاح الحزب (بحسب مفهوم البلدين لمندرجات اتفاق وقف النار و”كتاب الضمانات” غير المعلن بين واشنطن وتل أبيب، على أنه سيكون الناظم لما بعد انتهاء الهدنة بوقتها الإضافي)، وتحديداً أن المباحثات التي جرت أمس الأول في إسرائيل بين رئيس الحكومة الاسرائيلية بنيامين نتنياهو ووزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الذي أعلن أن “واشنطن وتل أبيب تتوقعان أن تعمل الدولة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله”، قائلاً: “في ما يتعلق بلبنان، أهدافنا متوافقة، دولة لبنانية قوية قادرة على مواجهة حزب الله ونزع سلاحه”.
لبنان دخل مرحلة جديدة، يدرك “حزب الله” مندرجاتها وأبعادها، ويتعاطى معها بواقعية “مغلفة” ببعض “الصراخ” الشعبوي، في محاولة للإمساك ببعض خيوط المعادلة السياسية الجديدة، للحدّ من خسائره.


