مع الوزيرة الجديدة… هل تنهض الرياضة؟

عمر عبدالباقي

في قلب المشهد الرياضي اللبناني، تقف المنشآت الرياضية بين واقع مرير وآمال معلقة. مع كل موسم رياضي، تتجدد التساؤلات حول مدى جاهزية الملاعب لاستضافة البطولات، وسط تحديات تتراوح بين الإهمال المزمن، وغياب الصيانة، وانعدام التخطيط المستدام. وعلى الرغم من بعض المبادرات الفردية والمحاولات المحدودة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، إلا أن الحاجة إلى رؤية شاملة ومتكاملة لإعادة تأهيل هذه المنشآت باتت أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

 نظرة على حال بعض الملاعب اللبنانية:

– مدينة كميل شمعون الرياضية (بيروت)

ذات يوم، كان هذا الملعب رمزاً للرياضة اللبنانية، بسعة تقارب 50,000 متفرج، لكنه اليوم يعكس صورة قاتمة عن حال المنشآت الرياضية في البلاد. تدهور كبير طال مرافقه، من أرضيته المهترئة إلى مدرجاته المتآكلة، نتيجة الإهمال والأزمات المتلاحقة، أبرزها جائحة كورونا وانفجار مرفأ بيروت. وعلى الرغم من بعض التحسينات الذي طرأ مؤخراً بفضل دعم من المديرية العامة للمنشآت الرياضية، يبقى السؤال الأهم: هل هناك خطة فعلية من وزارة الشباب والرياضة الجديدة لمواصلة تطوير هذا الصرح وضمان استدامته؟

ملعب بيروت البلدي

كان يوماً ما القلب النابض لكرة القدم في العاصمة، لكنه اليوم يكافح للبقاء ضمن الخريطة الرياضية. تدهور مرافقه وأرضيته غير الصالحة للعب جعلاه بعيداً عن استضافة البطولات الكبرى، ما يطرح تساؤلات حول مصيره في ظل غياب أي جهود جادة لإنقاذه.

ملعب طرابلس البلدي

أحد أهم الملاعب في شمال لبنان، لكنه يعاني من تحديات عدة تتعلق بالصيانة وتطوير المرافق، ما يجعله غير مؤهل بصورة كاملة لاستضافة الأحداث الرياضية الكبرى.

ملعب فؤاد شهاب (جونية)

على الرغم من كونه من الملاعب الأكثر استخداماً في البطولات المحلية، إلا أن العشب الاصطناعي الذي يغطيه يثير علامات استفهام حول ملاءمته للمباريات الرسمية، ومدى مطابقته للمعايير الدولية.

ملعب صيدا الدولي

لا يختلف حال هذا الملعب كثيراً عن غيره، فقد تعرض لانتقادات واسعة، أبرزها من مدرب كوريا الجنوبية السابق، أولي شتيليكه، الذي وصف أرضيته بأنها “مهترئة”، ما يعكس الواقع الصعب للملاعب اللبنانية.

هل يتحرك المعنيون؟

تعتمد البطولات المحلية في لبنان على عدد محدود من الملاعب القابلة للاستخدام، ما يفرض ضغطاً كبيراً عليها ويقلل من تنوع أماكن إقامة المباريات. وبينما تستمر الأزمات، يبقى السؤال الأهم: هل ستشهد المرحلة المقبلة تحركاً جدياً من وزارة الشباب والرياضة الجديدة لإنقاذ هذه المنشآت، وهل لديها مشروع يساهم في تطوير هذه الوجهات الرياضية في البلد أم أن الرياضة اللبنانية ستظل أسيرة الاهمال والوعود غير المنجزة؟

مدير المنشآت الرياضية والكشفية في لبنان ناجي حمود، أكد أن الوزارة الجديدة تسعى إلى إعطاء المنشآت الرياضية الأولوية والاهتمام اللازم من الجهات المعنية، مشدداً على ضرورة تعيين مجلس إدارة جديد كخطوة أولى لتنظيم العمل الاداري داخل هذه المنشآت.

وقال حمود: “هناك توجه جدي في الوزارة لاعادة هيكلة القطاع، وقد لمسنا إيجابية كبيرة من الوزيرة الجديدة التي أظهرت رؤية واضحة تجاه تطوير المنشآت الرياضية. لكن لا يمكننا المضي قدماً بأي خطة تطويرية من دون وجود مجلس إدارة جديد، فالادارة السليمة هي الأساس في أي عملية إصلاحية.”

وحول وضع المنشآت الرياضية في لبنان، أشار حمود إلى أن جميع المرافق بحاجة إلى تحديث شامل، موضحاً أن “المدينة الرياضية في بيروت تعاني من مشكلات كبيرة، وملعب طرابلس يواجه تحديات مماثلة، بينما يحتاج ملعب بعلبك – على الرغم من كونه أحدث – إلى صيانة وتحسين أرضيته. جميع المنشآت الرياضية في لبنان بحاجة إلى تطوير، خاصوصاً وأنها تعود إلى العام 2000، أي أنها تجاوزت 25 عاماً من التشغيل من دون خطط تطويرية فعلية أو ميزانيات صيانة كافية.”

وأضاف: “خلال 25 سنة، شهد العالم تطورات كبيرة في إدارة المنشآت الرياضية، بينما منشآتنا لا تزال تعود إلى الوراء. نحن اليوم بحاجة إلى استراتيجية متكاملة تعتمد على ثلاث ركائز: أولاً، تطوير العمل الاداري داخل المؤسسة؛ ثانياً، تأمين الموارد المالية عبر موازنات حكومية كافية؛ وثالثاً، منح المنشآت بعض الاستقلالية المالية لتمكينها من تحقيق إيرادات ذاتية عبر القطاع الرياضي، كما يحدث في العديد من الدول.”

وشدد حمود على أن هذه الاجراءات ستسمح للمنشآت الرياضية بالسير في الاتجاه الصحيح وتحقيق الاكتفاء الذاتي مستقبلاً.

لا شك في أن أزمة الملاعب في لبنان أصبحت معضلة حقيقية تعرقل تطور الرياضة، بعدما تحولت إلى مشكلة مستفحلة تراكمت آثارها عبر السنوات. هذه المنشآت، التي كانت يوماً ما حلماً، تحققت بفضل جهود الرئيس الشهيد رفيق الحريري ضمن مسيرة الإعمار والإنماء، لكنها للأسف لم تحظَ بالرعاية اللازمة، فتم إهمالها حتى باتت اليوم عبئاً بدلاً من أن تكون ركيزة لدعم الرياضة اللبنانية.

وأكد الناقد الرياضي وسيم صبرا، في حديث لموقع “لبنان الكبير”، أن اللبنانيين يعلقون آمالاً كبيرة على العهد الجديد، متطلعين إلى أن يكون ملف المنشآت الرياضية ضمن الأولويات. وقال: “بدأنا نتلمس بوادر إيجابية مع المبادرة التي أطلقها مدير المنشآت المعيّن حديثاً د. ناجي حمود، والتي شملت إعادة العشب الطبيعي وتجهيزات أساسية إلى المدينة الرياضية في بيروت، ما سيعيد الحياة إلى ملعب كرة القدم والقاعة المسقوفة.”

لكن هذه الخطوة، وفق صبرا، تبقى ناقصة، إذ إنها تغطي جزءاً من الاحتياجات الأساسية فقط، في حين أن المدينة الرياضية تحتاج إلى عملية إعادة تأهيل شاملة. واعتبر أنه “لا يمكن الاكتفاء بهذه المبادرات الجزئية، فهناك منشآت أخرى بحاجة ماسة إلى التطوير، مثل ملعب الرئيس الشهيد رفيق الحريري البلدي في صيدا، وملعب طرابلس الأولمبي، وملعب بيروت البلدي، بالاضافة إلى إنهاء أزمة مسبح اميل لحود الأولمبي والمنشآت الرياضية الأخرى التي ينهشها الاهمال والصدأ وتوشك على الاندثار.”

ورأى صبرا أن المسؤولية اليوم تقع على عاتق وزيرة الشباب والرياضة نورا بيرقداريان وفريق عملها، داعياً إلى التحرك السريع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان. وقال: “لا يمكن للرياضة اللبنانية أن تنهض من دون منشآت رياضية لائقة. المطلوب رؤية واضحة وخطة تنفيذية فعلية تعيد لهذه الملاعب دورها، بدلاً من أن تبقى مجرّد أطلال تذكّرنا بأمجاد الماضي”.

شارك المقال