“الزراعة” تكافح المخالفات… تصاعد مقلق في تهريب الحيوانات النادرة

عمر عبدالباقي

يشهد لبنان تصاعداً مقلقاً في ظاهرة الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية والطيور المحمية، ما يشكّل تهديداً خطيراً على التنوع البيولوجي المحلي. فمع تفاقم عمليات التهريب عبر الحدود ودخول أنواع نادرة ومحمية بطرق غير قانونية، تتزايد المخاوف من تأثيرات هذه الظاهرة على البيئة والنظام الإيكولوجي في البلاد. وعلى الرغم من وجود قوانين واتفاقيات دولية تحظر هذا النوع من التجارة، مثل اتفاقية سايتس (CITES) التي تنظّم الاتجار بالأنواع المهددة بالانقراض، إلا أن ضعف الرقابة واستغلال الثغرات القانونية ساعدا في استمرار هذه الأنشطة، ما يستدعي تدخّلاً عاجلاً من الجهات المعنية لضبط المخالفين وحماية الحياة البرية في لبنان.

وفي هذا السياق، وجّه وزير الزراعة نزار هاني كتاباً رسمياً إلى النيابة العامة التمييزية، على خلفية المعلومات المتداولة حول تسويق حيوانات برية وطيور محمية تخضع لاتفاقية سايتس، وشدّد على ضرورة اتخاذ الاجراءات القانونية اللازمة بحق المتورطين، والتدابير المناسبة لضمان الالتزام بالقوانين البيئية. كما أكد استعداد الوزارة للتعاون مع الجهات المختصة، وتقديم أي معلومات قد تسهم في إنفاذ القوانين ذات الصلة.

ويأتي هذا التحرك ضمن جهود وزارة الزراعة في مكافحة المخالفات البيئية، وتعزيز التزام لبنان بالاتفاقيات الدولية لحماية الأنواع المهددة بالانقراض. ومع تزايد هذه الظاهرة، تبقى الحاجة ملحّة الى تشديد الرقابة وتطبيق العقوبات الصارمة، حفاظاً على التوازن البيئي، ومنعاً لاستمرار استغلال الطبيعة في تجارة غير مشروعة تهدد مستقبل الحياة البرية في لبنان.

ما هي اتفاقية CITES؟

تُعد معاهدة التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض (CITES) اتفاقية دولية رائدة، تهدف إلى حماية التنوع البيولوجي من خلال تنظيم التجارة في أكثر من 37,000 صنف من الكائنات الحية. تضع هذه الاتفاقية أُطراً قانونية دقيقة لضمان عدم تأثير التجارة الدولية على بقاء هذه الأنواع القيمة على كوكبنا.

تشمل المعاهدة قائمة شاملة من الحيوانات والنباتات المحمية، وعند نقل أي كائنات حية من هذه الأصناف، يتطلب الأمر الحصول على شهادة CITES، التي تثبت أن العملية التجارية تتماشى مع القوانين المعمول بها. وللأسف، يلجأ بعض التجار غير الشرعيين إلى استخدام مستندات مزوّرة لتغطية أنشطته غير القانونية.

وفي حديث مع “لبنان الكبير”، أطلق الاعلامي البيئي ورئيس جمعية “ناشطون لحماية الحسون والطير البري”، روجيه سعد، تحذيرات جدية بشأن تصاعد عمليات الاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية والطيور في لبنان، مؤكداً أن هذه الظاهرة تهدد التنوع البيئي المحلي، وتخالف القوانين الدولية والوطنية.

وأوضح سعد أن وزارتي الزراعة والبيئة تستندان إلى لائحة “سايتس” التي تحظر الاتجار بالحيوانات والطيور المهددة بالانقراض، وتنظمها ضمن ثلاث فئات حسب درجة الخطر. الفئة الأولى تشمل الأنواع الأكثر عرضة للانقراض، والتي يمنع الاتجار بها بصورة قاطعة، سواء بالتصدير أو الاستيراد.

وأشار إلى أن عمليات تهريب الحيوانات البرية إلى لبنان تتم عبر مطار رفيق الحريري الدولي أو الحدود البرية، حيث يتم إدخال أنواع نادرة بطرق غير قانونية، وأحياناً تسجل بأسماء مختلفة للالتفاف على القوانين. كما لفت إلى أن تهريب الطيور والحيوانات من لبنان إلى الخارج يمثل خطراً أكبر، لأنه يؤدي إلى استنزاف الثروة الطبيعية الوطنية.

وأكد سعد أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دوراً سلبياً في انتشار هذه الظاهرة، إذ باتت منصات مثل “فيسبوك” و”إنستغرام” سوقاً مفتوحة لبيع الحيوانات النادرة، من الأسود والتماسيح إلى الببغاوات المهددة بالانقراض مثل الكاسكو، معتبراً أن البعض يسعى الى اقتناء هذه الحيوانات كرمز للمكانة الاجتماعية، من دون إدراك العواقب البيئية والقانونية لذلك.

وفي خطوة غير مسبوقة، أوضح سعد أن وزير الزراعة اتخذ قراراً حاسماً بتحويل قضية الاتجار بالحيوانات البرية إلى النيابة العامة التمييزية، وهو تطور مهم في التعامل مع هذه الجرائم البيئية. وأكد أن هذه الخطوة تعكس جدية الحكومة في التصدي للظاهرة، لكنها تحتاج إلى متابعة صارمة لضمان التنفيذ الفعلي.

الحسون.. رمز الطبيعة اللبنانية في خطر

من بين الطيور الأكثر تعرضاً للتهريب، شدد سعد على أهمية حماية طائر الحسون، الذي بات نادراً في الطبيعة اللبنانية بسبب الصيد العشوائي والاتجار غير المشروع. وأوضح أن القانون اللبناني يمنع بيع الطيور البرية، باعتبارها جزءاً من النظام البيئي وليست ملكاً للأفراد.

وعلى الرغم من وجود لجان مختصة في المطارات والمنافذ الحدودية، رأى سعد أن هناك تقصيراً في تطبيق القوانين، بحيث يتم أحياناً “غض النظر” عن عمليات التهريب، مؤكداً أن الناشطين البيئيين والجمعيات المختصة يعملون على مراقبة هذه الظاهرة، لكنهم يواجهون تحديات بسبب تأخر وصول المعلومات حول التهريب في الوقت المناسب.

وشدد سعد على ضرورة زيادة الوعي العام حول خطورة هذه الظاهرة، مطالباً بمضاعفة جهود الرقابة، وفرض عقوبات صارمة على المتورطين في تهريب الحيوانات البرية. كما دعا المواطنين إلى التبليغ عن أي عمليات بيع أو استيراد غير شرعية، للحفاظ على التنوع البيئي الغني الذي يميز لبنان.

شارك المقال