القاصي والداني يعرف الجواب، بأن بيروت عاصمة هذا البلد الصغير لبنان، هي مدينة لجميع أهلها، حضنها اتسع لهم وقلبها غمرهم مرحبة بكل من أتى إليها قادماً من كل حدب وصوب، حتى وإن لم يكن لهم سكنٌ فيها، فالمقصد الدائم يكون لتخليص معظم المعاملات، خصوصاً وأن قانون اللامركزية الادارية الذي ذُكر في اتفاق الطائف لم يُطبق.
لكن المفارقة أن بيروت مع كل الحب الذي قدمته وتقدمه، لم تلقَ أي رد للجميل من أحد وإن كانوا بادلوها الحب، فرد الجميل يكون لبيروت بإعطائها وإعطاء أهلها الحق في كل ما هو تحت مسمى مؤسساتي، فمن غير الممكن التعاطي مع بيروت بتغييبها وإبعادها، ولا يمكن حجب العاصمة عما هو حق لها أسوة بغيرها، لا بل نزيد لنقول بيروت العاصمة لا يأفل نجمها ولا ينطفئ نورها، وعلى الجميع التعامل معها ومع حقها مثلما يتعاملون مع حقوق مناطقهم وقراهم، فبيروت الجامعة لا يمكن لأي مسؤول أن يغيب عن باله أنها تحملت ما لم تتحمله عاصمة في العالم، من هنا ضرورة التعامل معها بأولوية لا بفوقية، فهي لم يعد لديها حمل على القهر والغلبة مع ما يوازيهما من قهرية القدر الذي حاول أن يجعلها ضعيفة ومهزومة، بدل أن تكون برونقها ونضارتها وجمالها.
صحيح بيروت للجميع، لكن الجميع ومن ضمنهم البعض من أهلها لا يقومون بالدور المطلوب والمفروض تجاهها، ولم يعودوا يعيرونها تلك الأهمية التي تليق بها وتستحقها عن جدارة لا لشيء الا لأنها بيروت لؤلؤة الشرق وسيدة العواصم.
سبق أن كتبنا عن وضع بيروت المستباحة لكن أن يبقى الوضع على ما هو عليه بعد مرور كل هذا الوقت خصوصاً وأن البلد خطا خطوة جديدة نحو الاصلاح واستطاع خوض معركة أساسية من الاستحقاقات لم يكن لبيروت حصة أساسية فيها على الرغم من كل المطالبين بذلك، فنحن بانتظار لملمة ما حصل بحقها في استحقاقات أخرى والتعويض عليها بما يتناسب وموقعها ومقامها ودورها، على الأقل كرد اعتبار لكرامة هذه المدينة العريقة وكرامة أهلها الذين لن يسكتوا بعد الآن على أي غبن يطالهم أو يلحق بهم ولهم الأحقية بالاعتراض وشجب كل قرار مجحف يطالهم ويطال مدينتهم.
للعلم ولمزيد من الإثبات، الكيدية لا تنفع مع بيروت ولا التشفي يفيد مع بيروت ولا حتى المكر يجدي مع بيروت، ولا يظنّن أحد أن بيروت متروكة حتى وإن حاول بعض من يعتبرون أنفسهم يمثلونها أنه يقوم بدوره الكامل تجاهها، فهو لم يعطها الجزء القليل مما تستحق منه.
أما في موضوع تقسيم بيروت فإذا ما أعيد طرحه أو حتى التلويح به من قريب أو بعيد، فللحديث صلة وشرحٌ يطول ولا ينتهي إلا بما يليق ببيروت التي حماها رفيق الحريري بالاعتدال والمناصفة.


