كريم سعيد ومشوار التحديات… قيادة مصرف لبنان في مرحلة مفصلية

هدى علاء الدين

بالتصويت وليس بالاتفاق، وبعد أسابيع من الخلافات السياسية والمداولات المكثفة بين مجموعة من الأسماء المطروحة، تم تعيين كريم سعيد حاكماً جديداً لمصرف لبنان، ليخلف الحاكم بالإنابة وسيم منصوري، الذي تولى المنصب بعد انتهاء ولاية الحاكم السابق رياض سلامة، الذي قضى 30 عاماً في منصبه حتى العام 2023. جاء قرار التعيين في الجلسة الحكومية لمجلس الوزراء، التي انعقدت يوم أمس الخميس في القصر الجمهوري في بعبدا، ونال سعيد 17 صوتاً من أصل 24، ليضع بذلك حداً للانتظار الطويل في ملف حاكمية المصرف المركزي.

اليوم، يتسلم الحاكم الجديد منصبه في وقت بالغ الأهمية، بحيث تواجه البلاد تحديات اقتصادية ومالية هائلة تتطلب حلولاً عاجلة ومستدامة لاستعادة موقعها الاقتصادي والمصرفي وبناء احتياطها المالي من جديد. فما هي أكبر التحديات والأولويات أمام الحاكم الجديد؟

إعادة هيكلة القطاع المصرفي

تتصدر إعادة هيكلة القطاع المصرفي قائمة الأولويات الملحة التي سيواجهها الحاكم الجديد لمصرف لبنان، نظراً الى الخسائر الفادحة التي تكبدتها البنوك اللبنانية، والتي تُقدر بنحو 73 مليار دولار. ولاستعادة القطاع المصرفي إلى مساره الطبيعي، يجب إعادة رسملته لضمان قدرته على تقديم الخدمات المالية الأساسية مجدداً. وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى تنفيذ خطة إصلاحية شاملة تشمل دمج بعض المصارف لضمان استدامة القطاع وتقليص عدد البنوك المتعثرة، بالاضافة إلى تقليص حجم القطاع المصرفي ليصبح أكثر توافقاً مع الواقع الاقتصادي الجديد. كما يجب إرساء آلية عادلة لتوزيع الخسائر بين المودعين والمصارف، بحيث لا يتحمل المواطنون عبء الأزمة بمفردهم. فالقطاع المصرفي يعد من الركائز الأساسية للاقتصاد اللبناني، وأي محاولة للنهوض بالبلاد لن تُكتب لها النجاح من دون إعادة إحياء هذا القطاع وفق أسس سليمة وشفافة تُعيد بناء الثقة المفقودة بين المصارف والمودعين.

معالجة أزمة الودائع واستعادة الثقة

في خضم التحديات الاقتصادية الضاغطة، تبرز معالجة أزمة الودائع واستعادة الثقة بالنظام المصرفي كقضية أساسية لا يمكن تجاوزها في مسيرة التعافي. فقد أدى الانهيار المالي المروع إلى تجميد الغالبية العظمى من ودائع اللبنانيين في البنوك، ما قوّض بصورة خطيرة الثقة بقدرة المؤسسات المالية على الوفاء بالتزاماتها. وتتطلب هذه الأزمة وضع خطة شاملة وعادلة لإعادة أموال المودعين، مع التأكيد على الشفافية المطلقة في جميع مراحل التنفيذ. وتتضمن هذه الخطة آليات واضحة ومحددة لضمان حصول المودعين على جزء كبير من مدخراتهم في المدى القريب، مع الأخذ في الاعتبار القيود المالية القائمة وتوزيع الأعباء بصورة عادلة على جميع الأطراف المعنية.

إصلاح الحوكمة وتعزيز الرقابة

يُعد إصلاح الحوكمة في مصرف لبنان خطوة محورية نحو تعزيز الشفافية والمساءلة، وهما عاملان جوهريان لاستعادة الثقة بالنظام المالي. فقد واجه المصرف انتقادات واسعة بسبب غياب الشفافية في قراراته المالية، ما ساهم في تفاقم الأزمة الاقتصادية. لذا، يُنتظر من الحاكم الجديد تنفيذ إصلاحات هيكلية جذرية تعزز الشفافية وتُفعل آليات رقابة داخلية صارمة، إلى جانب إعادة تفعيل دور الهيئات الرقابية على المصارف لضمان استقرار النظام المالي ومكافحة الفساد. فقد أسهم ضعف الرقابة على القطاع المصرفي في تفاقم الأزمة، ما يستدعي تعزيز التعاون بين مصرف لبنان والجهات الرقابية لضمان إشراف فاعل على البنوك، بما يضمن انضباط القطاع المصرفي واستدامته.

مفاوضات الإنقاذ مع صندوق النقد الدولي

في صميم جهود لبنان للتعافي الاقتصادي، يلعب مصرف لبنان دوراً محورياً في مفاوضاته الحاسمة مع صندوق النقد الدولي. فهو المزود الرئيسي للبيانات والمعلومات الأساسية التي يعتمد عليها الصندوق في تقييم الوضع النقدي والمالي المتدهور، بما في ذلك تفاصيل الاحتياطيات، سعر الصرف، التضخم، والوضع الحرج للقطاع المصرفي وأزمة الودائع. كما سيشارك المصرف المركزي في صياغة الاصلاحات النقدية الضرورية واقتراحها، وتقديم تقييمات لأثر السياسات المقترحة. وبمجرد التوصل إلى اتفاق، يصبح مصرف لبنان الجهة المسؤولة عن تنفيذ الجوانب المتعلقة بالسياسة النقدية، وإدارة سعر الصرف، والامتثال لمتطلبات مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، مع الالتزام بتقديم تقارير دورية للصندوق. وفي سياق الأزمة اللبنانية المعقدة، تتضاعف أهمية دور المصرف المركزي في إظهار التزام لبنان بالاصلاحات واستعادة الثقة المحلية والدولية بنظامه المالي، خصوصاً في الملفات الشائكة المتعلقة بالسرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، والتي تعتبر حجر الزاوية في المفاوضات الجارية مع صندوق النقد الدولي.

إعادة هيكلة الديون والخروج من “القائمة الرمادية”

يمثل التفاوض مع حاملي سندات اليوروبوند تحدياً اقتصادياً ملحاً بعد مرور خمس سنوات على قرار لبنان التخلف عن سداد مستحقات هذه السندات، ما ألحق ضرراً بالغاً بسمعته الائتمانية وعلاقاته مع مجتمع المستثمرين الدوليين. لذا، يتوجب على الحاكم الجديد تفعيل مسار تفاوضي جاد وفاعل مع هؤلاء الدائنين، سواء من خلال اقتراح إعادة هيكلة شاملة للديون السيادية أو التوصل إلى اتفاق على شروط سداد جديدة تخفف الأعباء المالية الهائلة على كاهل الدولة. سيشكل تحقيق أي تقدم ملموس في هذا الملف إشارة إيجابية قوية للأسواق العالمية، ويعزز فرص لبنان في الحصول على التمويل الدولي المستقبلي بشروط أفضل.

في موازاة ذلك، يكتسب العمل على إخراج لبنان من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي (فاتف) أهمية قصوى لاستعادة ثقة المؤسسات المالية الدولية والجهات الرقابية بنزاهة النظام المالي اللبناني. ويتطلب تحقيق هذا الهدف تنفيذ إصلاحات جذرية وعميقة في الأطر التشريعية والتنظيمية المتعلقة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب. فتعزيز الامتثال للمعايير الدولية في هذا المجال ليس مجرد إجراء تقني، بل هو ضرورة استراتيجية لضمان قدرة البنوك اللبنانية على التعامل بثقة مع نظيراتها العالمية وتسهيل تدفق الاستثمارات والتجارة عبر الحدود. فالنجاح في الخروج من “القائمة الرمادية” سيؤدي مباشرة إلى تحسين تصنيف لبنان الائتماني وتقليل تكاليف المعاملات المالية الدولية، ما سينعكس إيجاباً على قدرة الاقتصاد الوطني على التعافي والنمو المستدام.

صياغة خريطة طريق نقدية وتعزيز الجاذبية الاستثمارية

يتجاوز دور الحاكم الجديد لمصرف لبنان مهمة إدارة الأزمات الآنية ليضع أمامه مسؤولية وضع أسس متينة لتعافٍ اقتصادي طويل الأمد. يستلزم ذلك صياغة خطة نقدية استراتيجية وشاملة تتكامل وتتوازى مع السياسات المالية التي تتبناها وزارة المالية، بهدف تحقيق استقرار اقتصادي على المدى الطويل. ويجب أن تتضمن هذه الخطة إصلاحات نقدية هيكلية تعالج التشوهات القائمة وتعزز فعالية الأدوات النقدية في تحقيق أهداف الاستقرار السعري ودعم النمو الاقتصادي. وفي هذا الاطار، يجب تحديد السياسة النقدية لليرة اللبنانية، مع التركيز على المفاضلة بين الحفاظ على نظام سعر صرف ثابت أو تبني نظام سعر صرف معوّم. فقد أدت الأزمة المالية الحالية إلى انخفاض حاد وغير مسبوق في قيمة الليرة، ما أفضى إلى تفاقم الضغوط التضخمية وارتفاع مستويات الأسعار. ويتطلب اتخاذ القرار بشأن استقرار العملة الوطنية تقييماً دقيقاً للمزايا والعيوب النسبية لكل نظام، مع الأخذ في الاعتبار الأهداف الاقتصادية الكبرى، ليكون بذلك استعادة الثقة بالليرة اللبنانية حجر الزاوية في تحقيق الاستقرار المالي المستدام.

إلى جانب ذلك، يُعد تحسين البيئة الاستثمارية وتعزيز النمو الاقتصادي أولوية قصوى، خصوصاً في ظل التوقعات الاقتصادية الحذرة. ففي حين تشير تقديرات وكالة “موديز” إلى انكماش محتمل للاقتصاد اللبناني بنسبة 2 في المئة في العام 2025 مع توقعات بنمو طفيف بنسبة 0.8 في المئة في العام 2026، يصبح من الضروري اتخاذ خطوات استباقية لتغيير هذا المسار، من خلال تعزيز الاصلاحات الاقتصادية الهيكلية التي تخلق مناخ أعمال محفزاً للابتكار والمنافسة. تعزيز قدرة القطاعات الانتاجية على النمو والتوسع سيؤدي إلى تحقيق تعافٍ اقتصادي مستدام وشامل.

شارك المقال