هل الصواريخ وحدها سبب التصعيد الاسرائيلي؟

محمد شمس الدين

يعود التوتر ليخيّم على المشهد اللبناني بعد تصعيد إسرائيلي جديد، تزامن مع زيارة مرتقبة للمبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى تل أبيب. التصعيد، وفق مصادر قريبة من “حزب الله”، ليس مجرد ردّ فعل عسكري، بل هو جزء من خطة أميركية لدفع لبنان نحو تفاوض مباشر مع إسرائيل، فيما تسعى الأخيرة إلى ما هو أبعد من ذلك: التطبيع العلني. هذا التصعيد يضع لبنان أمام تحديات سياسية وأمنية متزايدة، ويضيّق خيارات “حزب الله” في ظل التزامه بوقف إطلاق النار.

التصعيد بأيدٍ أميركية؟

تشير مصادر “حزب الله” إلى أن التصعيد الاسرائيلي الأخير يحمل بصمات أميركية واضحة. فواشنطن، بحسب هذه المصادر، تسعى إلى دفع لبنان نحو مفاوضات مباشرة مع إسرائيل، فيما ترغب تل أبيب في تجاوز التفاوض إلى فرض مسار تطبيعي. وليس من قبيل المصادفة، وفق المصادر نفسها، أن يأتي هذا التصعيد في وقت تستعد فيه أورتاغوس لزيارة إسرائيل، وسط تحركات ديبلوماسية لفرض واقع جديد في المنطقة.

وتطرح المصادر تساؤلات حول مزاعم إسرائيل بأنها لا تعرف هوية مطلقي الصواريخ التي سقطت في الأراضي اللبنانية، من دون أن تشكل أي تهديد جدي على الداخل الاسرائيلي. “هل يُعقل أن تجهل إسرائيل مصدر هذه الصواريخ؟” تتساءل المصادر، معتبرة أن هذه الادعاءات لا تعدو كونها تمهيداً لتبرير الاعتداءات على لبنان.

أما في ما يتعلق بادعاء تل أبيب استهداف مخزن مسيّرات تابع لـ”حزب الله”، فتصفه المصادر بـ”الكذبة الفاضحة”. فلو كان هناك مخزن معروف لدى إسرائيل، لكان استُهدف خلال الحرب الأخيرة، وليس بعد أشهر من انتهائها.

الضاحية تحت القصف: دلالات ورسائل

شكّل القصف الاسرائيلي الأخير على الضاحية الجنوبية تطوراً خطيراً، كونه الأول من نوعه منذ اتفاق وقف إطلاق النار. ويحمل هذا الاستهداف مؤشرين أساسيين:

  1. زعزعة الاستقرار في الضاحية: منذ وقف إطلاق النار في 26 تشرين الثاني، بدأت الضاحية تلملم جراحها، وعاد السكان تدريجياً إلى منازلهم، فيما استعادت المدارس والمستشفيات نشاطها. كما شهدت الأسواق حركة لافتة مع اقتراب عيد الفطر. لكن القصف الأخير أعاد شبح الحرب إلى المنطقة، ودفع بعض السكان إلى النزوح مجدداً نحو مناطق أكثر أماناً مثل بعبدا وبيروت الادارية. استمرار هذا السيناريو قد يضرب ثقة المستثمرين والسكان، ما سينعكس سلباً على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الضاحية.
  2. تضييق الخناق على “حزب الله” سياسياً: يجد الحزب نفسه في موقف حرج، فهو لا يستطيع القيام برد عسكري مباشر، لأن ذلك يعني الذهاب إلى مواجهة واسعة تسعى إليها إسرائيل، كما حدث في غزة. وفي المقابل، فإن عدم الرد قد يُفسَّر على أنه ضوء أخضر إسرائيلي لمواصلة الضربات متى شاءت، ما قد يحوّل الضاحية إلى هدف دائم، ويضغط على الحزب والسلطات اللبنانية على حد سواء.

“الحزب” بين قيود الداخل وضغط الخارج

في ظل هذا المشهد، يحافظ “حزب الله” على موقفه المعلن بالالتزام بوقف إطلاق النار، وهو ما أكده مجدداً في بيان رسمي نفى فيه أي علاقة له بإطلاق الصواريخ الأخيرة، مشيراً إلى أن هذه الصواريخ تأتي في سياق “افتعال ذرائع مشبوهة لاستمرار العدوان”.

أما الدولة اللبنانية، فقد تبنّت موقفاً مشابهاً لموقف الحزب. فقد أكد رئيس الجمهورية جوزاف عون، خلال زيارته الى فرنسا، إدانته لأي اعتداء على لبنان، مشدداً على رفض “إعادة لبنان إلى دوامة العنف”. كما ناشد المجتمع الدولي التدخل سريعاً لوقف التصعيد.

سيناريوهات المرحلة المقبلة

في ظل هذا التصعيد، يبدو لبنان مقبلاً على مرحلة دقيقة، بحيث تتقاطع الضغوط السياسية مع الحسابات الأمنية. إسرائيل تريد فرض قواعد اشتباك جديدة تتيح لها استهداف مواقع في لبنان متى تشاء، فيما تحاول واشنطن استغلال التصعيد لدفع بيروت نحو مسار تفاوضي، قد يتطوّر لاحقاً إلى خطوات تطبيعية.

أما “حزب الله”، فيسعى الى الحفاظ على توازنه بين الالتزام بوقف إطلاق النار وعدم السماح لإسرائيل بفرض معادلات جديدة. ومع ذلك، فإن الخيارات تضيق أمامه، خصوصاً إذا استمر القصف الاسرائيلي بوتيرة متصاعدة.

وفي ظل هذه التعقيدات، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع لبنان الصمود أمام الضغوط المتزايدة، أم أن السيناريوهات المفروضة عليه ستدفعه إلى مسار غير مسبوق في تاريخه؟

شارك المقال