كريم سعيد يتسلم الحاكمية… فرصة ذهبية لإصلاح الاقتصاد

لبنان الكبير

بعد 20 شهراً من الفراغ الذي عانى منه لبنان نتيجة غياب القيادة النقدية بالأصالة، يتسلم كريم سعيد حاكمية مصرف لبنان في لحظة فارقة تتفاقم فيها الأزمات المالية على جميع الأصعدة. إذ يواجه القطاع المصرفي اليوم انهياراً نقدياً غير مسبوق، شحاً حاداً في السيولة، وتآكلاً شبه كامل للثقة بالنظام المالي. وعلى الرغم من الحملة الشرسة التي استهدفته قبل تعيينه في مجلس الوزراء، والتي بلغت حد “الاغتيال السياسي” من جهات معروفة بتدخلاتها المشبوهة في الشأن السياسي، يبرز سعيد كأحد الأسماء القادرة على إحداث تغيير جوهري في المشهد المالي والنقدي اللبناني.

دور حيوي في زمن استثنائي

في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها الاقتصاد اللبناني، تبرز الحاجة إلى سياسات نقدية متماسكة ومقاربات إصلاحية جذرية لمعالجة الأزمة البنيوية التي يعاني منها القطاع المالي. سعيد لا يرث تداعيات أزمة 2019 وما تلاها من انهيار اقتصادي وحسب، بل يواجه أيضاً تحديات هيكلية وسط عجز الدولة عن إيجاد حلول ناجعة. وبالتالي، فإن منصب حاكم مصرف لبنان في هذه المرحلة لا يقتصر على إدارة السياسات النقدية، بل يمثل ركيزة أساسية لأي مسار إصلاحي يهدف إلى إنقاذ الاقتصاد.

وقد أقسم كريم سعيد اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية جوزاف عون في قصر بعبدا، في خطوة تحمل دلالات كبيرة حول أهمية دوره في رسم ملامح مستقبل النظام المصرفي اللبناني. فالأزمة الحالية تجاوزت حدود السياسة النقدية التقليدية، وأصبحت تمثل تحدياً وجودياً للدولة بأكملها.

حملة تشويه مغرضة.. والتحدي مستمر

على الرغم من مؤهلاته الواسعة وخبرته العميقة في المجالين المالي والنقدي، لم يسلم كريم سعيد من حملة تشويه منظمة استهدفته قبيل تعيينه، بهدف تقويض شرعيته والتشكيك في استقلاليته. فقد وُجهت إليه اتهامات بأنه “مرشح المصارف”، ويسعى الى تنفيذ أجندات اقتصادية غير متوافقة مع مصالح اللبنانيين، مع غياب أي أدلة دامغة تدعم هذه المزاعم.

لكن الأهم هو أن اختيار سعيد لهذا المنصب جاء بناءً على توافق محلي ودولي، ما يعكس دعماً واضحاً له في مرحلة انتقالية دقيقة تتطلب قيادة اقتصادية مسؤولة. وهنا، يُطرح التساؤل: هل سيتمكن من تجاوز هذه الحملات والتركيز على إصلاح القطاع المالي، أم ستبقى العراقيل السياسية عقبة أمام أي خطوة إنقاذية؟

خريطة طريق للخروج من الأزمة

لمواجهة التحديات الراهنة، يحتاج الحاكم الجديد إلى تبني استراتيجية إصلاحية شاملة، تشمل إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وإصلاح السياسات النقدية بما يضمن استدامة الاحتياطيات النقدية المتآكلة، إضافة إلى ضبط سعر صرف الليرة اللبنانية ضمن إطار أكثر استقراراً. هذه الاجراءات تستدعي قرارات جريئة تستند إلى الحكمة والمرونة، بهدف منع المزيد من التدهور الاقتصادي. علاوة على ذلك، فإن معالجة أزمة السيولة، واستعادة تدفقات رأس المال، وكبح جماح التضخم الذي بلغ مستويات غير مسبوقة، ستكون من أبرز أولويات سعيد. كما يتطلب الواقع الراهن تنسيقاً وثيقاً مع المؤسسات الدولية لاستعادة ثقة المستثمرين، وتحقيق استقرار مالي ينعكس إيجاباً على الاقتصاد ككل.

فرص الاصلاح رغم التحديات

لا شك في أن قيادة مصرف لبنان في ظل هذه الظروف العصيبة تمثل تحدياً بالغ التعقيد، لكنها في المقابل توفر فرصة نادرة لإعادة رسم معالم النظام المالي اللبناني من جديد. فنجاح كريم سعيد في مهمته لن يكون مجرد مسألة إدارية، بل اختبار حقيقي لقدرة الادارة النقدية على اتخاذ قرارات جريئة ومدروسة تعيد الثقة المفقودة إلى القطاع المصرفي، وتضع الاقتصاد اللبناني على مسار الاستقرار المالي المستدام. فالرهان اليوم على نجاح سعيد كحاكم لمصرف لبنان، هو رهان على إعادة بناء نظام مالي أكثر صلابة وشفافية، يعيد الثقة للمودعين، ويهيئ الأرضية لنمو اقتصادي مستدام. وهذه اللحظة تمثل فرصة تاريخية لسعيد ليترك بصمته في مسيرة الاصلاح المالي. وعلى الاعلام والرأي العام أن يمنحاه الفرصة لإثبات جدارته، بعيداً عن التسرع في إطلاق الأحكام أو الانسياق وراء حملات التشويه التي لا تخدم إلا مصلحة الأزمة.

شارك المقال