ترامب يحشد الأميركيين للحرب التجارية… وأورتاغوس تُليّن الخطاب؟

لبنان الكبير / مانشيت

“ثورة اقتصادية” لن تمر من دون ثمن، بهذه الكلمات خاطب الرئيس الأميركي دونالد ترامب شعبه عبر منصة “تروث سوشيال”، مؤكداً أن الحرب التجارية التي أطلقها ليست مجرد خطوة سياسية عابرة، بل مشروع تحوّلي يستدعي الصبر والصمود، ونتيجته “ستكون تاريخية”. بدا ترامب وكأنه يعبّئ الأميركيين لمعركة اقتصادية طويلة الأمد، في وقت تهتز فيه الأسواق المالية تحت وطأة قراراته الجمركية الصارمة، وسط تنامي المخاوف من انزلاق الاقتصاد العالمي نحو الركود. وفي هذا السياق المضطرب، يواصل الكونغرس الأميركي، المنقسم سياسياً، صراعه حول الأرقام والتخفيضات، غير آبه بالتحذيرات المتصاعدة من تفاقم الدين العام وتهديد شبكات الأمان الاجتماعي.

لبنانياً، حملت زيارة المبعوثة الأميركية مورغان أورتاغوس إلى بيروت نبرة خالفت التوقعات ونقضت مشهد التهويل الذي سبقها. فبدلاً من الخطابات التصعيدية حول نزع السلاح أو فرض لجان ذات طابع تطبيعي، أبدت أورتاغوس تفهماً نادراً لتعقيدات الوضع اللبناني، وركّزت على أولوية النهوض الاقتصادي، واضعة الاصلاح المالي في صلب رسالتها.

ابتعدت عن الملفات الخلافية ودخلت من بوابة الاستقرار، مشيدة بأداء الحكومة في مسار الاصلاح، خصوصاً في مطار رفيق الحريري الدولي والقطاع المصرفي. وعلى المستوى السياسي، تمكّن لبنان من الالتفاف بسياسة مرنة على الطروح الأميركية بشأن تشكيل لجان ثلاثية مع إسرائيل، مقدّماً بديلاً تقنياً يحفظ السيادة ويكرّس الأولويات الوطنية، من الانسحاب الاسرائيلي إلى تثبيت حصرية السلاح بيد الدولة.

لقاءات إيجابية وتأكيد على الـ 1701

جاءت زيارة أورتاغوس الثانية إلى بيروت في ظل تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية واستمرار الغارات الاسرائيلية على الرغم من وقف إطلاق النار. وقد اتسمت لقاءاتها مع المسؤولين اللبنانيين بأجواء إيجابية.

في قصر بعبدا، اجتمعت برئيس الجمهورية جوزاف عون، وناقشا الوضع الحدودي، وعمل لجنة المراقبة الدولية، واستكمال الانسحاب الاسرائيلي من الأراضي اللبنانية، إضافة إلى ملفات الاصلاح ومكافحة الفساد. وأكد بيان رئاسة الجمهورية أن لبنان قدّم طرحاً تقنياً بديلاً عن اللجان المدنية التي تطالب بها واشنطن، مع التشديد على تنفيذ القرار 1701 وحصرية السلاح بيد الدولة.

وفي السراي الحكومي، التقت أورتاغوس رئيس الحكومة نواف سلام، مشيدة بالخطوات الاصلاحية، لا سيما رفع السرية المصرفية وإعادة هيكلة القطاع المصرفي، كما تم التشديد على ضرورة تسريع تنفيذ القوانين المطلوبة من صندوق النقد الدولي، وتطبيق القرار 1701، ونشر الجيش جنوب الليطاني، وضبط الحدود مع سوريا.

أما في عين التينة، فاجتمعت برئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي سلّمها لائحة بـ18 قانوناً إصلاحياً أنجزها البرلمان، مع التأكيد على ضرورة إقرار مشاريع إضافية تتعلق بالقطاع المصرفي والإنماء والاعمار. وتمحور اللقاء حول الانتهاكات الاسرائيلية المتواصلة وخروق وقف إطلاق النار.

كما زارت أورتاغوس قائد الجيش العماد رودولف هيكل في اليرزة، حيث ناقشا الأوضاع العامة في لبنان والمنطقة، بحضور السفيرة الأميركية ليزا جونسون. وفي المساء، شاركت في عشاء بالسفارة الأميركية في عوكر، جمعها بعدد من الوزراء لمتابعة ملفات الإصلاح، من الطاقة إلى التكنولوجيا. وترددت معلومات عن لقاء مرتقب لها مع وزير المالية ياسين جابر وحاكم مصرف لبنان كريم سعيد.

“حزب الله”: لا تطبيع ولا تنازل

في المقابل، شن “حزب الله” هجوماً لاذعاً على المواقف الأميركية، معتبراً أن واشنطن تتواطأ مع إسرائيل في خرق القرار 1701. وقال عضو كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب علي فياض إن الحزب متمسك بحق لبنان في الدفاع عن أرضه، مؤكداً أن المقاومة “شرعية” في وجه “العدوانية الاسرائيلية”. وشدد فياض على أن إسرائيل لا تلتزم باتفاق وقف إطلاق النار، وأن المجتمع الدولي، وعلى رأسه الولايات المتحدة، يوفّر لها الغطاء السياسي لتستمر في خروقها.

انقسام في مجلس الشيوخ حول الميزانية

في الداخل الأميركي، أقرّ مجلس الشيوخ خطة ميزانية مثيرة للجدل تهدف إلى تمديد التخفيضات الضريبية وتقليص الإنفاق العام، انسجاماً مع السياسات الاقتصادية التي يدعمها ترامب. وقد مرّ التصويت بأغلبية ضئيلة (51 مقابل 48)، ما يمنح الجمهوريين القدرة على استخدام آلية “المصالحة” لتمرير مشاريعهم من دون الحاجة إلى موافقة الديموقراطيين، وتشمل الضرائب، وأمن الحدود، والدفاع.

لكن هذه الخطوة فجّرت انقساماً حاداً. فقد وصف زعيم الديموقراطيين تشاك شومر الخطة بأنها “خيانة للطبقة المتوسطة”، محذراً من انعكاساتها على برامج الرعاية الصحية والاجتماعية. في المقابل، دافع الجمهوريون عنها باعتبارها ضرورية لضبط الإنفاق وتنشيط الاقتصاد.

وفي هذا السياق، كرّر ترامب تأكيده أن “الحرب التجارية ستؤتي ثمارها، ولكنها لن تكون سهلة”، داعياً الأميركيين إلى الصمود. وقال إن الصين كانت أكثر قسوة في ردها، لكن “أميركا بدأت تستعيد وظائفها وشركاتها كما لم يحدث من قبل”، مؤكداً أن إدارته جذبت استثمارات تفوق الخمسة تريليونات دولار، على الرغم من تراجع الأسواق على وقع هذه السياسات.

شارك المقال