“الحزب” لا يرفض تسليم السلاح ولكن…

محمد شمس الدين
حزب الله

تمضي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قُدماً في تصعيد الضغوط على لبنان لدفعه نحو نزع سلاح “حزب الله”، في خطوة تأتي ضمن سياق أوسع من الضغوط الاقليمية التي تُمارسها واشنطن على محور المقاومة. وفيما تتعدّد القنوات والرسائل من مورغان أورتاغوس إلى مجموعة العمل الأميركية وتصريحات سابقة لمسؤولين، يبدو أن الادارة الأميركية ترى أن حصر السلاح بيد الدولة لم يعد مسألة نقاش بل أولوية سياسية ملحة.

وعلى الرغم من أن لبنان الرسمي أبلغ واشنطن التزامه بمبدأ نزع السلاح، إلا أن هذا التعهّد مشروط بعدم الإضرار بالسلم الأهلي الداخلي، بل أن يتم ضمن استراتيجية وطنية شاملة تضمن الحفاظ على سيادة لبنان وأمنه القومي.

“الثنائي الشيعي”: السلاح ليس هدفاً بحد ذاته

في هذا السياق، أكدت مصادر مطلعة على جو “الثنائي الشيعي” لموقع “لبنان الكبير” أن سلاح “حزب الله” لم يكن يوماً أداة استعراض أو شوفينية، بل وُجد بهدف حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة. وذكّرت بأن الحزب نفسه كان من أوائل المطالبين بوضع استراتيجية دفاعية تشمل بحث مسألة السلاح على الطاولة، لكن الخلافات السياسية حالت دون تحقيق تقدم يُذكر في هذا الملف.

ورأت المصادر أن النقاشات الجارية حالياً لا يمكن فصلها عن سياق المفاوضات الأوسع بين واشنطن وطهران. فلبنان، كغيره من دول المنطقة، يتأرجح فوق “كف” هذه المفاوضات، وقد بدأت إيران بإرسال رسائل إيجابية تُبدي من خلالها استعدادها للتفاوض، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. وأحد أبرز هذه الرسائل كان ما سُرّب عن استعداد فصائل عراقية مدعومة من طهران لتسليم سلاحها. لكن المصادر تحذّر: “الايجابية يجب أن تُقابل بإيجابية، وإلا فالانفجار حتمي”.

ضمانات لا تسويات

وشددت المصادر على أن أي عملية لنزع السلاح لا يمكن أن تتم من دون تقديم ضمانات حقيقية للبنان على المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية. فالحزب ملتزم بوقف إطلاق النار، بينما إسرائيل تواصل انتهاكاتها للسيادة اللبنانية بصورة شبه يومية. ومع استمرار الضغط الاقتصادي وخنق لبنان مالياً، ترى المقاومة أن السلاح بات الورقة الأخيرة بيدها للمساومة. وبالتالي، إذا كانت واشنطن تريد خطوات حقيقية، فعليها أن تقدّم ما يكفي من الضمانات وتكفّ يد إسرائيل عن لبنان، بدل استباحة أجوائه ومياهه وثرواته.

مواقف أميركية ورسائل مشفّرة

وفي تطوّر لافت، بدت نائبة المبعوث الخاص للرئيس الأميركي، مورغان أورتاغوس، في زيارتها الأخيرة الى بيروت أكثر هدوءاً في خطابها، مقارنة بزيارتها الأولى التي اتسمت بلهجة تصعيدية. التقت أورتاغوس رؤساء الجمهورية جوزاف عون، ومجلس النواب نبيه بري، والحكومة نواف سلام، ونقلت إليهم إصرار واشنطن على حصرية السلاح بيد الدولة. وقد تبلغت أورتاغوس أن مسألة حصر السلاح بيد الدولة باتت محسومة، ولكن الرؤساء سلّطوا الضوء على انتهاكات اسرائيل المستمرة في الجنوب، وعدم التزامها بوقف النار أو الانسحاب من النقاط الخمس، وهو ما يمنع الجيش اللبناني من بسط انتشاره الكامل حتى الحدود الدولية.

في نهاية هذا المشهد المعقّد، يبقى لبنان بين سندان الضغوط الأميركية ومطرقة التوازنات الداخلية، في لحظة إقليمية مفصلية لا تتحكم بيروت بكامل خيوطها. فالمفاوضات بين طهران وواشنطن، بكل ما تحمله من تعقيد وتشابك، لا تقتصر على رسم حدود النفوذ في الخليج أو في مضيق هرمز، بل تتسرّب مفاعيلها إلى لبنان وإلى سلاح “حزب الله”، وإلى المعادلة الدقيقة التي تحكم الأمن والسياسة في هذا البلد الصغير.

وحدها هذه المفاوضات، بتقدمها أو تعثّرها، كفيلة بأن تغيّر النبرة من التصعيد إلى التهدئة، ومن الشروط إلى التسويات. وفي الانتظار، لا خيار للبنان سوى الإمساك بخيوط التوازن، وحماية نفسه من أن يتحوّل إلى بند ثانوي في تفاهمات كبرى تُعقد على طاولات بعيدة، ولكن صداها يُسمع على بعد آلاف الكيلومترات، في الضاحية، وفي الجنوب، وفي البقاع وبيروت.

شارك المقال