سوريا تعيد هيكلة بعثاتها الديبلوماسية وسط تساؤلات حول وضعها في الأمم المتحدة

ماهر الحمدان
منذ سقوط النظام، لم تظهر أي مؤشرات على صراع داخلي على السلطة في سوريا، بل هناك تفاهمات سياسية ناشئة مع مختلف المكونات
منذ سقوط النظام، لم تظهر أي مؤشرات على صراع داخلي على السلطة في سوريا، بل هناك تفاهمات سياسية ناشئة مع مختلف المكونات

في خضم انشغال كوادر وزارة الخارجية السورية بإعادة هيكلة البعثات الخارجية، برزت مشكلة معقّدة تتعلق ببعثة الوزارة في مقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك، ما زاد من الضغوط المحيطة بالفريق الديبلوماسي ودفعهم الى المضي خطوة إضافية في عملية إعادة ترتيب نحو 65 بعثة ديبلوماسية سورية عاملة حول العالم.

جدل حول الاعتراف والمقام الأممي

وسائل إعلام متعددة أثارت مؤخراً الحديث عن احتمال تغيير الولايات المتحدة موقفها من الحكومة السورية، ما اعتُبر أنه قد يؤدي إلى تعديل وضع البعثة السورية في الأمم المتحدة، وربما اعتبار الحكومة السورية “غير معترف بها” دولياً. إلا أن مصدراً مسؤولاً في وزارة الخارجية الأميركية نفى ذلك في تصريح لموقع “لبنان الكبير”، قائلاً: “الادعاء المتعلق بوضع الأمم المتحدة غير صحيح. تتعلق هذه المسألة بجوانب من القانون الديبلوماسي، وخصوصاً اعتماد البعثات، الذي يقع ضمن اختصاص لجان الأمم المتحدة”. وأضاف: “لم نغيّر تصنيف الحكومة. نحن لا نزال لم نعترف بها، ولكننا لا نرفضها”.

هذا الموقف أضاء على تعقيدات قانونية وإدارية تشوب الملف. يقول آرام الدوماني، أمين التحالف السوري الوطني، لموقع “لبنان الكبير”: “تعديل نوعية إقامات الديبلوماسيين السوريين في بعض الدول هو إجراء قانوني ضروري، نظراً الى فقدانهم صفة التمثيل الرسمي وفقاً لمعايير الاعتماد الديبلوماسي. فهناك لجنة مختصة في الأمم المتحدة تنظّم شرعية تمثيل الدول الأعضاء، وبالتالي يجب تصنيفهم وفقاً لقوانين الهجرة الأميركية ضمن فئة قنصلية مختلفة”. ويضيف: “هذا إجراء تقني بحت، لا يمسّ جوهر المسار السياسي ولا يغيّر من الواقع التمثيلي الجاري التفاهم عليه دولياً”.

ويتابع الدوماني: “منذ سقوط النظام، لم تظهر أي مؤشرات على صراع داخلي على السلطة في سوريا، بل هناك تفاهمات سياسية ناشئة مع مختلف المكونات، بعضها تم برعاية أميركية. عادت سوريا الى مقعدها في الجامعة العربية، وتتعاون مع المنظمات الدولية، والسفارات الأجنبية تعمل من دمشق، وحتى الأميركيون يواصلون التواصل عبر ديبلوماسية الوفود. العلاقات الديبلوماسية تتحرك تدريجياً، ونأمل أن تتطور بتعاون مشترك. لكن هذا لا يلغي أن السلطة الجديدة تواجه تحديات جسيمة، تتعدى مسائل شكلية كالإقامات أو سجالات الأمم المتحدة”.

في هذا السياق، قال المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة ستيفان دوجاريك، إن وضع الجمهورية العربية السورية في المنظمة “سيبقى من دون تغيير، وتستمر عضويتهم فيها”.

استدعاء الجعفري وسوسان: إشارة البدء

ضمن حزمة الاجراءات التي تتخذها وزارة الخارجية، تقرّر نقل سفيري دمشق في روسيا والسعودية بشار الجعفري ومحمد سوسان إلى “الادارة المركزية”، ما يعني إنهاء مهامهما في البلدين كسفرين رسميين للجمهورية السورية الجديدة. وزير الخارجية أسعد الشيباني كتب عبر حسابه على منصة “اكس” بعد أقل من 24 ساعة على صدور القرار: “بتوجيهات من السيد الرئيس أحمد الشرع، شرعنا في إعادة هيكلة سفاراتنا وبعثاتنا الديبلوماسية بما يضمن تمثيلاً مشرفاً للجمهورية العربية السورية وتقديم خدمات متميزة للمواطنين السوريين في الخارج”.

ويعلّق الدوماني على ذلك بالقول: “الخارجية تعمل بشكل كبير ومتسارع وتسابق الزمن. هذه السفارات لا تزال من إرث النظام البائد وما تمثله من تركيبة نسجتها أجهزة الأمن السورية، لذا بات ملحاً تغييرها وإعادة تعيينها. حتى المواطنون السوريون يعانون ويضغطون نحو هذا الاتجاه”. لكنه يضيف: “الأمر ليس بالسهولة المتوقعة. هناك بروتوكولات رسمية يجب أن تتم ومحادثات تسبق تعيين السفراء. المسألة ليست كبسة زر، كما يقال”.

ويقول مصدر حكومي لموقع “لبنان الكبير“: “نعمل على تشكيل البعثات الديبلوماسية وإعادة تعيينها، ومن المتوقع أن نصدر قرارات قريبة بذلك”.

في المحصلة، تمثّل عملية إعادة هيكلة البعثات الديبلوماسية السورية خطوة ضرورية في سياق إعادة تنظيم المؤسسات الرسمية بما يتماشى مع المتغيرات السياسية والادارية التي تشهدها البلاد. وعلى الرغم من أن هذه التحركات تعكس رغبة واضحة في كسر إرث المرحلة السابقة، إلا أن التحديات القانونية والديبلوماسية، وخصوصاً ما يتصل بالعلاقات الدولية، تفرض على الفريق الديبلوماسي السوري التعامل بدقة ومسؤولية عالية. يبقى الرهان الحقيقي على قدرة الحكومة على تحويل هذه الاجراءات إلى مسار مستدام يعيد الثقة بالتمثيل الخارجي ويخدم مصالح المواطنين السوريين في الخارج، بعيداً من الشعارات والمظاهر الشكلية.

شارك المقال