على موائد مورغان أورتاغوس دار الكثير من الأحاديث ووُضع العديد من الأطباق، أما الطبق الساخن فقد كان السلاح وليس حصراً سلاح “حزب الله” إنما سلاح كل الميليشيات لبنانية كانت أم فلسطينية. أما وأن “حزب الله” لا يعتبر نفسه ميليشيا كما تصرح مصادره، إلا أنه ليس ضد حصرية السلاح بيد الدولة، وهو متفق مع رئيس الجمهورية على نقاط مبدئية في هذا الاطار، تحديداً الالتزام بوقف إطلاق النار.
أما عن مائدة أورتاغوس هذه المرة، فلم تخلُ من الرسائل ولو قيل إن أجواء اللقاءات كانت إيجابية، فإن ما سبق زيارة المبعوثة الأميركية كان سلبياً جداً رافقته أجواء لم تكن مجرد كلام بل كانت فعلياً تتجه نحو التصعيد الكبير.
هما زيارتان حتى اليوم لأورتاغوس الى لبنان واضحتا المضامين والمطالب، لكن مع كل زيارة تصبح المطالب أقسى، بمعنى أن ما حملته المبعوثة الأميركية في المرة السابقة كان تحذيراً للبنان من تحمل مسؤولية عدم قبول ما تطلبه أميركا، ليعلو منسوب التحذير في هذه الزيارة ويصل الى عدم خسارة أميركا كشريك داعم للبنان. ويبقى أن القاسم المشترك في الزيارتين هو ترك لبنان ليتحمل مسؤولياته تجاه أميركا وتجاه إسرائيل مع ما حصلت عليه الأخيرة من ضوء أخضر ليكون لها من خلاله اليد الطولى في كل ما تريد القيام به، والمثال قريب جداً: غزة مرةً أخرى، فسيناريو غزة حاضر والتلويح به للتنفيذ في لبنان حصل من خلال ما سمعناه من تصريحات للعديد من المسؤولين الاسرائيلين تحديداً بعد تثبيت وقف إطلاق النار وما تلاه من ضربات محددة ومحدودة طالت الجنوب والبقاع لتصل الى استهدافات الضاحية وصيدا، من هنا حملت زيارة المبعوثة الأميركية عنوان: الوقت ليس لمصلحة لبنان.
على الرغم من الايجابية التي قيل إنها طبعت لقاءات أورتاغوس مع المسؤولين لا سيما الرئاسات الثلاث، إلا أنها وجهت إليهم النداء الأخير في ما خص البدء بالاجراءات في موضوع سلاح “حزب الله” خفيفاً متوسطاً أم ثقيلاً، ولا يكفي سعي المسؤولين الى إحداث خرق في هذا الموضوع وحسب، إنما عليهم العمل على ذلك في أسرع وقت ممكن، خصوصاً أنهم أمام تحقيق مطالب المجتمع الدولي وهو أمر تعتبره أميركا ملحاً جداً ولا يمكنه أن يصبح واقعاً إذا لم يحدث هذا الخرق، ولن تكون هناك مساعدات ولا حتى استقرار، فأميركا تفضّل أن يكون لبنان آمناً ومستقراً بدل أن يكون على فوهة البركان، وهذه النقطة مرتبطة بعمل اللجان الثلاث وهو ما عرضته أورتاغوس، للبحث في الانسحاب الاسرائيلي من النقاط الخمس وإطلاق الأسرى وترسيم الحدود البرية، من دون تحديد جدول زمني لذلك، لا سيما أن الموفدة الأميركية تفضّل جملة “بأسرع وقت ممكن”.
وعليه، فإن لبنان الرسمي والشعبي بما فيه “حزب الله“، يستعد بعد “النداء الأخير” لمرحلة سحب السلاح غير الشرعي للمضي بالإصلاح، والمسألتان تسيران بالتوازي، فالمساعدات الأميركية ستكون مرتبطة بتحقيق الاصلاحات، بالاضافة إلى الشأن الأمني، وعلى لبنان أن يستعد لتقديم براهين وشواهد ملموسة عن الاصلاحات التي يعتزم تنفيذها، وهو أمام فرصة حقيقية ولكنها ليست مفتوحة، والحل يبدأ من الاستعجال بعملية تسليم “حزب الله” سلاحه كما أن الاصلاحات الاقتصادية التي بدأتها الحكومة جيدة، لكنها وحدها لا تكفي للفوز بالدعم الدولي وبالمساعدات لإعادة الاعمار، إذ إن حصر السلاح بيد الجيش يبقى الأهم بنظر واشنطن والأسرة الدولية برمتها.
يبقى أن نشير الى أن المبعوثة الأميركية التي تتحلى باللطف واللباقة والابتسامة الجميلة، لم تتحدث بالتطبيع مع إسرائيل بالمباشر ولم تطرحه كنقطة أساسية على من التقتهم، لكنها بالتأكيد ساعية كما دولتها الى الوصول على الأقل الى هدنة سلام دائمة تحقق من خلالها مصلحة إسرائيل العليا وتدعو من خلالها لبنان الى الافادة منها والجنوح نحو سلام داخلي وحدودي، ولنا في الأيام القادمة زيارات مكوكية مع اللبقة أورتاغوس كما تمناها عليها نواف سلام أسوة بزيارات سلفها، لإنهاء الاتفاقات الباقية أسوةً بالاتفاق البحري.


