رؤية تركي الرشيد: الزراعة الاجتماعية كأداة لتعافي المجتمعات العربية

لبنان الكبير

في ظل التحديات الجسيمة التي تواجه لبنان والعالم العربي، من نزاعات مسلّحة وانهيارات اقتصادية إلى تداعيات التغيّر المناخي، تبرز التنمية المستدامة كأحد المسارات القليلة القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص، وإرساء أسس نهوض متجدد وشامل. فهذه الرؤية لا تقتصر على حماية البيئة، بل تتكامل مع الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، لتقدّم نموذجاً تنموياً محوره الإنسان وكرامته وحقه في حياة عادلة وآمنة.

ومن بين الأدوات الأكثر فعالية في هذا السياق، تبرز الزراعة الاجتماعية (Social Agriculture) بوصفها استراتيجية متكاملة لإعادة بناء المجتمعات المنهكة، لما تحمله من قدرة على تعزيز التماسك الاجتماعي، وتحفيز النمو الاقتصادي المحلي، وتحقيق الأمن الغذائي بشكل منصف ومستدام.

واستجابةً لهذه الرؤية، نظّمت كلية العلوم الزراعية والغذائية في الجامعة الأميركية في بيروت محاضرة متميزة بعنوان: “استعادة الأمل: التنمية المستدامة كطريق لإنعاش لبنان والعالم العربي”، استضافت فيها الدكتور تركي فيصل الرشيد، أحد أبرز الخبراء العرب في التنمية الزراعية والاجتماعية، وصاحب خبرة طويلة في العمل الأكاديمي والميداني في المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة.

استُهلّت المحاضرة بكلمات ترحيبية أكّد خلالها المنظمون اعتزازهم باستضافة الدكتور الرشيد، وهو المؤسس والمدير العام لشركة “غولدن غراس” المتخصصة في الزراعة والمقاولات، وأستاذ مساعد في كلية الزراعة وعلوم الحياة في جامعة أريزونا.

وقدّم الدكتور الرشيد رؤية معمقة حول كيفية تحويل أهداف التنمية المستدامة الـ17، التي وضعتها الأمم المتحدة، من مجرد إطار نظري إلى أدوات ملموسة لإعادة إعمار المجتمعات الخارجة من الأزمات، مركزاً على الزراعة الاجتماعية كأداة تدمج الاستدامة البيئية مع التمكين المجتمعي.

وقال في مستهل كلمته: “يشرفني أن أكون بينكم اليوم ضمن هذه السلسلة العلمية المهمة. والسؤال الذي أطرحه: كيف يمكننا تفعيل أهداف التنمية المستدامة في لبنان والعالم العربي ما بعد الحرب؟”.

وأوضح الرشيد أن هذه الأهداف ليست وليدة اللحظة، بل تُعد تطوراً طبيعياً لأهداف الألفية الإنمائية التي أُطلقت عام 2000، وأسهمت في تحسين العديد من المؤشرات التنموية في البلدان النامية. ومع إطلاق أجندة 2030، باتت التنمية المستدامة رؤية شاملة تسعى إلى تحقيق التوازن بين الإنسان والبيئة والاقتصاد، من دون إقصاء أو تهميش لأي فئة.

وفي معرض حديثه عن لبنان، شدد الدكتور الرشيد على أن خلفية البلاد المعقدة – بما تحمله من تنوع ثقافي وتجارب مؤلمة من الصراعات – تجعلها بيئة غنية للدروس المستفادة، وتمنحها في الوقت ذاته فرصة نادرة لصياغة نموذج تنموي جديد ينطلق من الداخل ويستجيب للواقع المحلي.

وأكّد أن الزراعة الاجتماعية يمكن أن تكون الركيزة الأساسية لإعادة نسج الروابط المجتمعية، من خلال تمكين المزارعين المحليين، وخلق فرص عمل، وتعزيز الاعتماد على الذات، مشدداً على أربعة محاور رئيسية لهذه الرؤية:

المشاركة المجتمعية: إشراك السكان المحليين في تخطيط المبادرات الزراعية وتنفيذها، لضمان مواءمتها لاحتياجاتهم الفعلية.
الممارسات المستدامة: اعتماد تقنيات الزراعة البيئية التي تحافظ على الموارد الطبيعية وتعزز قدرة المجتمع على مواجهة التغيرات المناخية.

التمكين الاقتصادي: توفير الدعم للفئات المهمّشة، خصوصاً الشباب، عبر التدريب والتمويل وربطهم بالأسواق.
التعاون متعدد الأطراف: بناء شراكات بين القطاعات المختلفة لتوحيد الجهود وتكامل الخبرات.

أما التحديات التي تواجه هذه الرؤية، فتشمل – كما بيّن – نقص التمويل، والهجرة الريفية نحو المدن، والمقاومة للتغيير من قبل بعض المجتمعات، إلى جانب الهشاشة المناخية. وشدد على ضرورة اعتماد آليات تمويل مبتكرة واستراتيجيات تكيّف مرنة تعزز استدامة هذه المبادرات.

وفي ختام مداخلته، دعا الدكتور الرشيد إلى تبنّي العمل الجماعي والتشاركي كمنهج في بناء المستقبل، قائلاً: “أشكر لكم اهتمامكم، وأتطلع إلى نقاشات بنّاءة حول تعزيز الزراعة الاجتماعية كأداة لمكافحة التصحر وتحقيق التنمية المستدامة في منطقتنا. دعونا نعمل معاً لصناعة مجتمعات مزدهرة، مرنة، وشاملة، ترتكز على العدالة والاستدامة والكرامة الإنسانية”.

تجدر الاشارة إلى أن الدكتور تركي فيصل الرشيد شخصية رائدة في مجال الزراعة والتنمية المستدامة، يشغل منصب المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “غولدن غراس”، وهي شركة سعودية مبتكرة تُعنى بتطوير الحلول الزراعية الحديثة. كما يتولى مهام مستشار في شركة “العلماء للخدمات الإدارية والاستشارات الزراعية”، حاملاً معه خبرة عميقة ورؤية استراتيجية في هذا القطاع الحيوي.

وعلى الصعيد الأكاديمي، يشغل الدكتور الرشيد منصب أستاذ مساعد في كلية الزراعة وعلوم الحياة بجامعة أريزونا، ويعمل كذلك مستشاراً في وحدة البيئة والتنمية المستدامة (ESDU) التابعة للكلية نفسها، حيث يساهم في تعزيز البحوث والتطبيقات المتقدمة في مجالات التنمية الريفية والزراعة المستدامة.

كما ألف الدكتور الرشيد أكثر من سبعة كتب تناولت قضايا محورية في التنمية، من أبرزها: “استراتيجيات التنمية الزراعية: التجربة السعودية”، “الحوكمة العامة وقدرات الإدارة الاستراتيجية في دول الخليج” و”تحديات التنمية المستدامة في دول الخليج العربية”.

ويواصل الدكتور الرشيد إثراء المكتبة العربية والعالمية من خلال كتابه المرتقب: “تحوّل المملكة العربية السعودية: عدم اليقين والاستدامة”، الذي يُعد امتداداً لمساهماته الفكرية في تحليل التحولات الاقتصادية والاجتماعية في الخليج، وتسليط الضوء على فرص تحقيق الاستدامة وسط التغيرات المعقدة التي تشهدها المنطقة.

شارك المقال