قضية أمين سلام: محاولة للهروب نحو مجلسٍ مشلول

محمد شمس الدين

أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت، بلال حلاوي، مذكرة توقيف وجاهية بحق كريم سلام، شقيق وزير الاقتصاد السابق أمين سلام، بعد استجوابه في قضايا تتعلق باختلاس أموال عامة وابتزاز شركات تأمين وتحقيق إثراء غير مشروع. ومع تطور التحقيقات، بدأ الملف يقترب أكثر فأكثر من الوزير السابق، الذي تشير المعطيات إلى كونه “الراعي الرسمي” للمتورطين، بحسب ما ورد في التحقيقات. وتشير الأجواء المحيطة بسلام إلى احتمال توجهه نحو طلب محاكمته أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، في محاولة لتجنب الملاحقة أمام القضاء العدلي، مستفيداً من الجمود السياسي الذي يعطّل عمل هذا المجلس ويمنع البت في الملفات المحالة عليه.

من الرشوة إلى التهديد بسحب التراخيص

تفيد المعطيات القضائية بأن كريم سلام لم يكن يتحرك بمفرده، بل كان يقود شبكة يحميها مستشار الوزير، فادي تميم، المعروف بصلاته الوثيقة به، إضافة إلى نقيب خبراء المحاسبة إيلي عبود، الذي تشير المعلومات إلى أنه كان المخطط الأساسي لآلية الضغط على شركات التأمين المتعثّرة بعد انفجار مرفأ بيروت، من خلال التهديد بسحب تراخيصها أو عدم تجديدها في حال لم تسدّد المبالغ المطلوبة.

ومن بين أبرز الضحايا، يبرز اسم جورج ماتوسيان، صاحب شركة “المشرق للتأمين”، الذي قدّم شكوى موثقة بشريط فيديو يُظهر لحظة تلقي المستشار تميم مبلغ رشوة داخل مكتبه، ما كشف جانباً من الابتزاز المنهجي الذي مارسته هذه المجموعة.

الوزير يرفض المثول أمام لجنة الاقتصاد: “مؤامرة ضدي”

على الرغم من استدعائه المتكرر من لجنة الاقتصاد النيابية، رفض أمين سلام الحضور إلى أي من الجلسات، متذرّعاً بحصانته الوزارية، ومعتبراً أنه يتعرض لما وصفه بـ”مؤامرة سياسية”.

حين دخل وزير السجن… وخرج بريئاً

لا تزال صورة وزير النفط السابق شاهي برصوميان حاضرة في الذاكرة الجماعية، وهو يُقاد مقيّداً إلى سجن رومية عام 1999، بعد اتهامه باختلاس المال العام عبر بيع رواسب نفطية. وعلى الرغم من قضائه 11 شهراً و9 أيام و4 ساعات خلف القضبان، انتهت محاكمته في البرلمان عام 2005 بتبرئته، بعدما صوّت 56 نائباً ضد اتهامه مقابل 10 فقط أيدوا الاتهام، فيما وُضعت 27 ورقة بيضاء وواحدة ملغاة.

تحوّلت هذه الحادثة إلى مثال صارخ على فشل منظومة العدالة السياسية، إذ خرج الوزير بريئاً من دون أن يعرف الرأي العام إن كان ظُلم، أم أن العدالة زُيّفت لحمايته.

برلمان يعترف بالاختصاص… ومجلس أعلى لا يعمل

منذ تلك المحاكمة، كرّس البرلمان ثلاثية قانونية تعرقل ملاحقة أي وزير أو رئيس:

  1. يجب توقيع عريضة من 36 نائباً على الأقل لملاحقة الوزير أو الرئيس.
  2. ثم يُشترط تصويت ثلثي مجلس النواب، أي 86 نائباً، على الاتهام.
  3. يُحال بعدها الملف على المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، الذي يتألف من ثمانية قضاة وسبعة نواب.

لكن بفعل التوازنات الطائفية والحسابات السياسية، أصبح هذا المسار شبه مستحيل، ولم يُفعّل فعلياً سوى في حالتين.

المجلس الأعلى… هيئة ميتة في جسد الدولة

منذ تأسيسه بعد اتفاق الطائف، لم يُفعّل المجلس الأعلى كمؤسسة فاعلة للمحاسبة، بل اقتصر عمله على محاولتين فقط خلال ثلاثة عقود:

  • محاكمة الرئيس أمين الجميل (1993).
  • محاكمة الوزير شاهي برصوميان (2005).

وفي الحالتين، لم يُدَن أي مسؤول. فالمجلس يبدو اليوم هيكلاً مشلولاً، يحتاج إلى إعادة هيكلة وآلية عمل جديدة ليصبح أداة حقيقية لمكافحة الفساد، لا مجرد درع يحتمي بها المرتكبون.

إلى أين تتجه قضية أمين سلام؟

في ظل هذا الواقع، تُطرح تساؤلات جدية: هل سيتمكن القضاء من ملاحقة أمين سلام فعلياً أم أن القضية ستنتهي كما غيرها في دهاليز الحصانات وتعقيدات النظام الدستوري؟ هل تكون هذه فرصة لتحريك المجلس الأعلى من سباته، أم دليلاً إضافياً على موته السريري؟

الاجابات لا تزال معلّقة، لكن المؤكد أن هذا الملف القضائي سيكون علامة فارقة في مسار ملاحقة الفساد في لبنان، وقد يشكّل نقطة تحول في النقاش حول الحصانات والعدالة والمحاسبة.

علاقة قضية المرفأ

لا شك في أن الملف يشكل تحدياً كبيراً، خصوصاً في ظل ما رافق قضية انفجار مرفأ بيروت من بلبلة، بحيث أُصرّ على ملاحقة الوزراء أمام المجلس الأعلى. وقد يجد خصوم أمين سلام أنفسهم مضطرين الى السير بتحويله إلى هذا المجلس، حتى لا يخلقوا سابقة تسمح بملاحقة الوزراء أمام القضاء العادي، ما قد يفتح الباب أمام ملاحقات لوزراء ورؤساء حكومات سابقين في قضية المرفأ، ويهدد بانفراط عقد الحصانات. وهنا قد تضيع العدالة، على الرغم من وجود شبه إثبات للجرم على سلام.

كلما طُرحت قضية ملاحقة وزير، عاد الجدل إلى المادتين 40 و70 من الدستور، وإلى السؤال الدائم: هل يمكن ملاحقة الوزراء أمام القضاء العادي؟

الرأي السائد يتمسك بمبدأ فصل السلطات، الذي أدى إلى إنشاء المجلس الأعلى كمحكمة استثنائية، وبالتالي، وبغض النظر عن فعاليته، تصبح أي ملاحقة أمام القضاء العدلي موضع طعن، وربما غير قانونية.

شارك المقال