صدي يطرق باب “الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء”… هل تبصر النور قريباً؟

محمد شمس الدين

كان تشكيل “الهيئة الناظمة لقطاع الكهرباء” في لبنان واحداً من أبرز مظاهر التعطيل البنيوي الذي يضرب مؤسسات الدولة. في بلد يعاني من أزمة كهرباء مزمنة، بلغت حداً لم تشهده دول تعاني من حروب مدمرة، ظلت الهيئة الناظمة، المفترض أن تكون الجهة المستقلة التي تراقب أداء القطاع وتضمن حسن تنظيمه، معطلة، غير مفعّلة، ومفرغة من دورها.

أُنشئت الهيئة الناظمة بموجب قانون تنظيم قطاع الكهرباء رقم 462 الصادر عام 2002، والذي نصّ على ضرورة فصل السياسة عن الادارة في هذا القطاع الحيوي، عبر تأسيس هيئة مستقلة تُمنح صلاحيات تنظيمية ورقابية واسعة. إلا أنّ هذا القانون لم يُطبق فعلياً، وبقيت الهيئة حبراً على ورق.

الوزراء المتعاقبون على وزارة الطاقة تمسكوا بالسلطة التنفيذية الكاملة، وأصروا على تعديل القانون قبل تطبيقه، بذريعة أن صلاحيات الهيئة “تتعارض مع دور الوزير”.

وكان “التيار الوطني الحر” يسيطر على وزارة الطاقة التي أصبحت في عهده “منطقة نفوذ” حزبيّة. وحجته بعدم انشاء الهيئة هي أن القانون بحاجة إلى تطوير “يتناسب مع الواقع اللبناني”، أما الحجة الضمنية فهي أن تطبيق القانون يعني إخضاع هذا القطاع لرقابة خارج إطار السلطة التنفيذية، ما يحدّ من القدرة على توزيع المنافع والمحسوبيات.

في عهد التيار حتى القوى السياسية التي تطالب بالإصلاح – من بينها أطراف في المعارضة وأخرى محسوبة على المنظومة نفسها – تتفق على مبدأ تفعيل الهيئة، لكنها تختلف على طريقة تعيين أعضائها، وهو خلاف يخفي صراعاً على من يتحكم فعلياً بهذا القطاع: هل هي وزارة الطاقة؟ مجلس الوزراء؟ أم الهيئة المستقلة؟

غياب الهيئة الناظمة لم يكن مجرّد خلل إداري، بل تسبب في خسائر هائلة على الاقتصاد اللبناني. فمن دون هيئة مستقلة، غابت الشفافية عن التعاقدات، وازدادت كلفة الانتاج والهدر، وتم تعطيل دخول القطاع الخاص في إنتاج الطاقة. البنك الدولي ربط تمويله بإصلاحات تشمل تفعيل الهيئة، لكن الدولة اللبنانية لم تلتزم، فخسرت فرص دعم بمئات الملايين من الدولارات.

أزمة ثقة

في نهاية المطاف، أزمة الهيئة الناظمة ليست سوى وجه من أوجه انهيار الدولة اللبنانية، حيث تُفرغ المؤسسات من مضمونها، وتُصادر صلاحياتها، ويُضرب مبدأ الفصل بين السلطات. هذا الأمر لا يعكس فشل الطبقة السياسية وحسب، بل يكرّس أزمة ثقة بين المواطن والدولة، وبين الدولة والمجتمع الدولي.

وقال وزير الطاقة جوزيف صدي: “أعددنا المطلوب منّا لتشكيل الهيئة الناظمة للكهرباء، وأرسلناه إلى وزارة التنمية الادارية، وأتوقع أن يُفتح باب تقديم الطلبات بعد العيد… هذه من بين الاجراءات التي اتخذتها لتشجيع اعتماد الطاقة الشمسية”.

وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، أشار صدي إلى أنّه “سيتم تشكيل الهيئة الناظمة بناءً على الآلية التي أُقرّت مؤخراً في مجلس الوزراء، وذلك وفق معايير الكفاءة والجدارة وبكل شفافية. فمع فتح باب الترشح من خلال نشر إعلان في وسائل الإعلام وعلى الموقعين الالكترونيين لوزارة الطاقة والمياه ووزارة التنمية الادارية بعد الأعياد، ستُستقبل السير الذاتية للمرشحين. وفور انتهاء المهلة، ستتولى لجنة مؤلفة من وزير الطاقة ووزير التنمية الادارية ورئيس مجلس الخدمة المدنية، بالاضافة إلى خبراء اختصاصيين، دراسة هذه السير. ومن يستوفي الشروط سيخضع لمقابلة شفهية، ليقوم بعدها وزير الطاقة برفع الأسماء التي اجتازت المقابلة إلى مجلس الوزراء لتشكيل الهيئة”.

أما في ما يخص الجدل القائم حول الصلاحيات، فشدّد صدي على أنّ “القوانين واضحة في تحديد الصلاحيات، وهناك تكامل في الأدوار وليس تضارباً في المهام. هذه الخطوة تُعدّ تطبيقاً لقانون 462/2002 الذي نصّ عليها، وقد تأخّر تنفيذها 23 عاماً. الوزير يضع السياسة العامة للقطاع والمخطط التوجيهي العام، ويراقب عمل القطاع، كما يتولى الاتصالات الدولية الخاصة بالربط الكهربائي وتبادل الطاقة وإبرام الاتفاقيات، بعد الحصول على موافقة مجلس النواب. أما الهيئة، فدورها تقني بحت، فهي تتولى تنظيم شؤون الكهرباء ورقابتها، بما يشمل: تشجيع الاستثمار، وتأمين المنافسة في قطاع الكهرباء وتعزيزها، تحديد سقف لأسعار خدمات الإنتاج والتعرفات، ومراقبة هذه التعرفات وضبطها، فضلاً عن مراقبة حسن سير خدمات الإنتاج والنقل والتوزيع حتى إيصال التيار الكهربائي إلى المستهلك، وحماية مصلحة المستهلكين، وتأمين الاستقرار في قطاع الطاقة الكهربائية، وتوازن أسعار الخدمات”.

وأكد صدي أنه “مهما كانت التحديات، يجب العمل على تبديدها. فالالتزام بالقانون هو السبيل لتحصين الهيئة الناظمة وحمايتها من الضغوط والتدخلات”، لافتاً الى أن “جميع الأطراف السياسية باتت تدرك أهمية هذه الهيئة وضرورة إقرارها، نظراً الى دورها المحوري في إصلاح قطاع الكهرباء، وإدارته بصورة فعّالة، وتأمين الشفافية، وتحقيق توازن في أسعار الخدمات. كما أن الهيئة الناظمة تُعد مطلباً إصلاحياً أساسياً من الجهات المانحة، التي تربط مساعدتها للبنان بقيام مؤسسات رقابية مستقلة وفاعلة”.

لن تقوم لقطاع الكهرباء قيامة في لبنان من دون إصلاح جذري يبدأ بتطبيق قانون 462 كما هو، وتفعيل الهيئة الناظمة بكامل صلاحياتها، بعيداً من المصالح الفئوية والسياسية. ومن دون ذلك، سيبقى اللبناني يعيش في العتمة – ليس الكهربائية وحسب، بل المؤسسية أيضاً.

شارك المقال