لم تبدأ الولايات المتحدة الأميركية حملتها العسكرية على الحوثيين في اليمن لتنهيها في وقت قريب، بل اختارت توقيتها على نحو هادف لتكون رسالة إلى إيران مرجعية الحوثيين الأساسية، وقد وصلت الرسالة بالفعل، إذ رضخت لتهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي استخدم الضغوط القصوى عسكرياً على الحوثيين من جهة ومالياً عبر العقوبات على ايران مباشرة.
لا شك في أن الحملة العسكرية الأميركية وصلت إلى أهدافها بسرعة عبر ضربات مكثّفة ونوعيّة على الحوثيين، ما دفع إيران بسرعة إلى وقف دعمها لهؤلاء، وجلست على طاولة المفاوضات سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة، ولن تطول الفترة قبل أن تصل هذه المفاوضات إلى خواتيمها.
صحيح أن الهجوم الأميركي على الحوثيين في جانب منه هو رسالة لإيران، لكن مصادر ديبلوماسية أميركية مطلعة تعتبر أن مروحة الرسائل واسعة وتتجاوز مسألة المفاوضات النووية، بما تريده إدارة ترامب وهو وضع خط أحمر للحوثيين ولأي قوة عسكرية أخرى في البحر الأحمر، لافتة إلى أن الحملة العسكرية ستطول لأنه إذا توقفت من دون كفّ يد الحوثيين عن استهداف السفن في هذا البحر، تكون الحملة فشلت وذهبت كل جهود واشنطن هباء.
من المؤكّد أن هدف الأهداف لإدارة ترامب هو استعادة حرية الملاحة عبر البحر الأحمر، ولكن أيضاً توجيه رسالة إلى منافسيها، مثل الصين وإيران وروسيا، التي كانت، قبل أيام قليلة من الضربات الأميركية، تستعرض قوتها من خلال مناوراتها البحرية السنوية في المياه القريبة.
واللافت أن المناورة الصينية – الايرانية – الروسية هذه السنة أجريت في خليج عُمان، وهي منطقة تُطل على نقطتي اختناق رئيسيتين: مضيق هرمز ومضيق باب المندب. إلا أنها كانت مناورة عسكرية متواضعة، تكمن أهميتها في رمزيتها: إذ أشارت إلى قدرة الشراكة الصينية – الايرانية – الروسية على تعويض غياب الولايات المتحدة كجهة ضامنة للأمن الاقليمي.
وترى المصادر الديبلوماسية الأميركية أن إيران حاولت من خلال هذه المناورة توجيه رسالة إلى الادارة الأميركية أنه على الرغم من تضاؤل نفوذها في لبنان وسوريا، إلا أنها لا تزال لاعباً إقليمياً مهماً يتمتع بحلفاء أقوياء. كما استعرضت موسكو وبكين نفوذهما العالمي، بنشر قواتهما في الشرق الأوسط! بدليل أن الصين نشرت سفناً حربية من قاعدتها البحرية الخارجية في جيبوتي – عبر المضيق من اليمن – وهي قادرة على جمع المعلومات الاستخبارية وتوفير الإمدادات اللوجيستية للسفن البحرية الايرانية والروسية.
على الرغم من الحراك العسكري الروسي – الصيني – الايراني، تبدو المبادرة العسكرية اليوم في البحر الأحمر في يد الولايات المتحدة التي نشرت أسطولها البحري في المنطقة معززاً بطائرات هجومية، وهي تُظهر عبر قصف الحوثيين في اليمن قدرتها المستمرة على إبراز قوتها.
لكن المصادر الديبلوماسية تؤكّد أن زخم الهجمات الأميركية على الحوثيين يجب أن يستمر، ليس بهدف وقف عدوانهم وضمان تدفق الشحن التجاري عبر البحر الأحمر وحسب، إنما أيضاً لتعزيز مصداقية الولايات المتحدة والثقة الاقليمية، مشيرة إلى أن عدم متابعة هذه الجهود العسكرية قد يُثير الشكوك حول عزم الولايات المتحدة، وقد يُشجع جهات فاعلة أخرى على تحدي المصالح الأميركية في أجزاء أخرى من العالم.
وتشير الوقائع إلى أن الحملة الأميركية نجحت في استهداف المجالات الرئيسية لعمليات الحوثيين، بما في ذلك القيادة والسيطرة، وشبكات الاتصالات، والخدمات اللوجيستية، والقيادة. وتوضح المصادر الديبلوماسية أن إدارة ترامب لن تتأخر عن الاعلان أن الحملة ليست محدودة بفترة زمنية، وستستمر ما دام ذلك ضرورياً، متجنبة التراخي حتى لو أوقف الحوثيون هجماتهم مؤقتاً. وقد يكون هناك تعاون أكثر مع شركاء واشنطن الأوروبيين لتكثيف مساهماتهم، لا سيما في جهود الاعتراض البحري وتبادل المعلومات الاستخباراتية، للحد من إعادة تسليح الحوثيين وحماية الاستقرار الاقليمي.
ما ليس معروفاً وواضحاً بعد، وفق المصادر الديبلوماسية الأميركية، إذا كانت ستتوسّع الهجمات الأميركية لضرب طرق الإمداد بين الايرانيين والحوثيين، علماً أن هناك أدلة كافية تربط إيران بأنشطة الحوثيين. إلا أن هذا الأمر يرتبط بالمفاوضات الأميركية – الإيرانية الجارية في مسقط، ومن المستبعد أن تُقدم واشنطن على تعكير أجوائها بأي عمل عسكري ضد إيران حالياً، إنما يتوقّف الأمر على نجاح المفاوضات أو فشلها.
ما تفعله إدارة ترامب عبر حملتها العسكرية على الحوثيين حالياً هي إفهام كل خصومها وشركائها بإستعدادها لإستخدام القوة للحفاظ على مصالحها الحيوية في الشرق الأوسط وخارجه، إلا أن الرسالة قد تُصبح إخفاقاً إذا توقف هجومها على اليمن وبقي الحوثيون يُمارسون أعمال القرصنة في البحر الأحمر.


