“الحزب” وبيئته… بين الرفض والتمنع

لينا دوغان

لا يمكن القول إن ما يجري الحديث عنه في ما خص سلاح “حزب الله”، غائب عن آذانه وآذان بيئته، حتى وإن كان طرحه بالمباشر وعلى العلن لم يحصل حتى الساعة، إلا أنهم ليسوا بعيدين لا بل ومدركون أن هذا الموضوع سيُطرح على طاولتهم الضيقة كما الموسعة عاجلاً وليس آجلاً، لكن حتى الساعة لم يصدر أي موقف رسمي للحزب في ما خص السلاح إلا أنه اعتبر أنه ملتزم بتنفيذ بنود وقف اطلاق النار وأن اسرائيل هي من تقوم بكل الخروق، على الرغم من عمليتي اطلاق الصواريخ الأخيرتين من الجنوب، والتي نفى الحزب بالمطلق علاقته بهما.

إلا أن عدم صدور موقف رسمي من الحزب في موضوع السلاح، يقابله الكثير من المواقف الصادرة عن البيئة الحاضنة سواء على المستوى الشعبي أو المستوى الاعلامي بتصاريح من هنا وهناك، كلها تصب بالرفض التام لتسليم سلاح الحزب أو حتى التنازل عنه، وصولاً الى القول إن الحزب استعاد عافيته على كل الصعد وهو جاهز لأي مرحلة دفاع جديدة. وليت الحديث توقف هنا، فالصحافي قاسم قصير في حديثه عن أن لا تسليم للسلاح حتى ظهور المهدي، يفجر قنبلة لا أحد يتحمل شظاياها ولا حتى قائلها، لأسباب كثيرة منها أن الحزب بقياداته المتعددة الآن والاختلافات في ما بينها، لم يصل بعد الى قرار حتمي وجازم في مسألة تسليم السلاح، وإن كان على دراية بكل ما هو مطلوب منه، باختصار هو على علم بما له اذا التزم وبما هو آتٍ عليه اذا لم يفعل، لهذا لا ينفع قول يصدر إلا اذا أتى رسمياً على لسان “حزب الله”، فالأقاويل سمعناها وسنسمعها من الآن وحتى يأتي القرار، وهو سيأتي بترتيب بدأت تتضح معالمه من كلام رئيس الجمهورية جوزاف عون الذي يكرر دائماً عن حوار سيجري بشأن السلاح موعده قريب وسيتم التنسيق له بعد لقاء مع وفدٍ من “حزب الله” في قصر بعبدا، أي حوار ثنائي بين رئاسة الجمهورية والحزب، وقرار حصر السلاح بيد الدولة اتُخذ وتنفيذه يكون بالحوار وبعيداً عن القوة بحسب الرئيس عون.

كل ما ذُكر أعلاه تترتب عليه نقاط مهمة جداً، خصوصاً بعد صدور قرار رسمي من الحزب، يكون العمل فيه منصباً على إقناع بيئة الحزب العالمة بكل ما يجري والرافضة في الوقت نفسه نتائج ما يجري، وهذا العمل يجب على الجميع الانخراط فيه وليس فقط “حزب الله” المعني الأول بشؤون بيئته، لأن هذه البيئة أولاً وأخيراً هي مكون لبناني له حقوق في البلد تتساوى وحقوق الآخرين، كما أن على الجميع أن يفهم صعوبة ما مرت وتمر به هذه البيئة، التي عليها في المقابل أن تلاقي اليد الممدودة لها من كل أطياف المجتمع اللبناني، وألا تعتبر أن ما يتم التداول به من تسليم للسلاح أو حصريته، هو للانقضاض عليها وتهميشها وضربها وعزلها كما استبعادها عن أن يكون لها الحق في المواطنة أسوةً بغيرها.

أما اذا انتقلنا الى الحديث عن السياسات الكبرى فهنا الطامة الكبرى، فمزاد البيع والشراء بدأ منذ ما قبل حرب الاسناد، والأدلة كثيرة وإذا كنا لن ندخل في تفاصيلها احتراماً لقناعات شركائنا في الوطن، ونترك لهم الأيام والليالي فهي وحدها كفيلة بتظهير الحقائق والوقائع والتي لم تعد تخفى على أحد، لأن البيع والشراء في السياسة تطورا لدرجة أنهما أصبحا في العلن وعلى “عينك يا تاجر”، والكل يسعى وراء مصالحه ومصلحة بلده، ومثالاً لا حصراً اللقاء الأخير في عُمان الذي جمع الأميركي والايراني على طاولة واحدة، وأبرز ما حصل فيه حضور مورغان أورتاغوس مناقشاته والتي من المؤكد أن طرحها كان للملف اللبناني وبالتحديد سلاح “حزب الله” والنقاط الأخرى التي طرحتها في لبنان، وعادت لتنقلها على الطاولة الأميركية – الايرانية، والتي ستؤدي نتائجها الى تخلص ايران من كل محور المقاومة الذي دعمته وتنفيذ الشروط الأميركية، لجلب فرص الاستثمار الكبرى الى طهران والتي تحدث عنها شخصياً المرشد علي خامنئي، وطبعاً غيرها الكثير من التقديمات، والتي سنراها تتحقق تباعاً بمجرد حصول الاتفاق.

بيئة “حزب الله” تعرف الكثير لكن وجعها أكبر بكثير من أن تستوعب كل شيء دفعة واحدة، وهي تعيش حالة من الرفض لكل ما جرى كما تعيش حالة من التمنع لما هو آت، لكن يبقى على عاتق الحزب الكثير ليقوم به ويقدمه، وعلى كل المكونات مساندته في ذلك، وهذا ما شدد عليه رئيس الجمهورية أمام أورتاغوس نفسها بأن هذه القضية تحتاج الى حوار كما أن على اسرائيل أن تقوم بما هو مطلوب منها أقلها في النقاط الخمس، طالما يحترم “حزب الله” بنود وقف اطلاق النار، والموضوع يُحل بيننا وبينه كونه شأناً داخلياً.

المرحلة هي باختصار كالتالي: احتواء الحزب وبيئته، ولزوم أن يفهم الحزب وبيئته أن لا الرفض سينفع، ولا العناد سيخدم أحداً، ولا مخالفة القرارات الكبرى ستأتي بعد اليوم بنتيجة، وتبقى العبرة في الخواتيم.

شارك المقال