في مشهد يعكس تغيراً هادئاً لكنه متدرج في المواقف الدولية تجاه سوريا، تتقاطع مساعٍ سعودية وأميركية لإعادة إدماج دمشق في النظام المالي الدولي، وسط ترتيبات لاستئناف عضويتها في البنك الدولي، وخطوات تقنية تفتح الباب أمام انفتاح سياسي مشروط على النظام السوري الجديد، بعد هروب الرئيس المخلوع بشار الأسد في كانون الأول الماضي.
مصادر مطلعة كشفت لـ”لبنان الكبير” أن المملكة العربية السعودية أبدت استعدادها لتسديد نحو 16 رسماً مالياً متراكمة على سوريا، وهي ليست ديوناً بل اشتراكات ورسوم عضوية تُعد شرطاً أساسياً لعودة سوريا إلى البنك الدولي. وتُمهد هذه الخطوة لتأهيل البلاد للحصول على منح وقروض تنموية مخصصة لإعادة بناء الخدمات العامة وتعزيز الحوكمة.
وتتزامن هذه التحركات مع ترتيبات لزيارة وفد رسمي سوري رفيع إلى واشنطن، يُتوقع أن يضم وزير الخارجية ووزير المالية وربما أيضاً حاكم مصرف سوريا المركزي. ووفقاً لما قاله آرام الدوماني، أمين سر التحالف السوري الوطني والمقيم في العاصمة الأميركية، لموقع “لبنان الكبير” فإن وزارة الخارجية الأميركية “تضطلع بدور لوجيستي مهم لتسهيل إصدار التأشيرات وتأمين الحماية”، لكن القرارات النهائية تبقى في يد البنك الدولي.
ويضيف الدوماني أن المسائل المالية لا تزال بحاجة إلى تنسيق دولي دقيق، إذ تُناقش حالياً آلية صرف منحتين ماليتين: الأولى بقيمة 150 مليون دولار لتغطية الرواتب الحكومية، والثانية تتراوح بين 150 و300 مليون دولار لدعم البنية التحتية للكهرباء والطاقة.
زيارة مرتقبة لوفد الكونغرس إلى دمشق
لم تعد شروط واشنطن للتعامل مع الادارة السورية الجديدة سراً ديبلوماسياً. فالمعلَن منها يدور حول أربعة مطالب أساسية تعتبرها دوائر القرار في واشنطن “غير مجحفة”، وهي: تدمير أي مخزونات متبقية من الأسلحة الكيماوية، التعاون الكامل في مكافحة الإرهاب، إبعاد المقاتلين الأجانب من المناصب الحكومية، وتعيين ضابط ارتباط للمساعدة في تحديد مصير الصحافي الأميركي المفقود أوستن تايس.
في المقابل، تشير معطيات من داخل العاصمة السورية إلى أن الحكومة الانتقالية بقيادة أحمد الشرع أبدت مرونة نسبية في التعاطي مع هذه الشروط، لا سيما في الملفين الكيميائي والاداري، فيما لا تزال تحديات كبيرة تواجه شرط “إبعاد المقاتلين الأجانب”، وملف أوستن تايس الذي لا يزال معلقاً بين الأجهزة الأمنية والعسكرية المختلفة.
في موازاة الجهود التنفيذية، يُنتظر أن يصل وفد من الكونغرس الأميركي إلى دمشق يوم غد الخميس، في زيارة لافتة قد تشمل لقاءات مع كبار المسؤولين في الحكومة الجديدة، وربما مع الرئيس الشرع. ويهدف الوفد، وفق مصادر لموقع “لبنان الكبير”، إلى الاستماع إلى رؤية سورية “مطمئنة” بشأن مستقبل البلاد، بغية نقل تصور إيجابي إلى الادارة الأميركية يدعم إمكان تخفيف العقوبات وفتح قنوات سياسية أكثر انخراطاً.
تعقيدات الميدان.. وإسرائيل في الحسابات
وعلى الرغم من هذه الاشارات، لا يبدو المشهد السوري خالياً من التعقيدات. فالوضع الميداني لا يزال متشابكاً، مع وجود قوات إقليمية ودولية على الأرض، ومصالح متقاطعة بين روسيا، تركيا، وإسرائيل. وتبرز تل أبيب كلاعب مؤثر في القرار الأميركي، خصوصاً مع تمدد قواتها في الجنوب السوري وتخوفها من تحول الانفتاح الأميركي إلى نافذة نفوذ جديدة لإيران أو حلفائها.
وفي هذا السياق، تبقى الخطوات الأميركية بطيئة ومحكومة بالحذر. فمنذ سقوط النظام السابق، دعت واشنطن إلى انتقال سياسي “ذي ملكية سورية” يتوافق مع قرار مجلس الأمن 2254، مشددة على ضرورة تشكيل حكومة “غير طائفية وشفافة”، وضمان تدفق المساعدات الانسانية ومنع استخدام الأراضي السورية كقاعدة تهديد إقليمي.
في الوقت الذي تواصل فيه الرياض وواشنطن تنسيق الجهود حول الانفتاح وإعادة دمج دمشق في المنظومة الدولية، لا تزال الملفات الشائكة، من العقوبات إلى الأمن الاقليمي، تمثل عقبات أمام أي انفتاح شامل. لكن الرسائل المتبادلة، والزيارات المرتقبة، تكشف عن تحول تدريجي – وإن كان بطيئاً – في الدينامية السياسية الأميركية تجاه سوريا ما بعد الأسد.


