الخيارات

الراجح

من أهم شروط الواقعية السياسية أن تقرأ التطورات جيداً، وأن تتكيف معها، أو أن تمتلك المعرفة الكافية للتعامل معها بفعالية.

يقول مكيافيلي: “الرجل الحكيم يفعل في الحال ما يفعله الغبي في النهاية.”

وقال أفلاطون في تفسيره للجمهورية: “إنها تتكون من ثلاث طبقات: المنتِجة (الفلاحون، العمال، إلخ)، والمدافِعة (الجنود)، وطبقة الفلاسفة، وهم المفكرون الذين يتولّون إدارة الشؤون العامة.”

وقد أولى أفلاطون اهتماماً خاصاً بالحكام، مؤكداً أن تولّي الحكم يجب أن يقوم على الكفاءة لا على الأنسب.

النقاش في هذه المواضيع قادني إلى الباحث والمفكر والقانوني الدكتور وائل الخير. ففي بدايات القرن الحادي والعشرين، وعلى مدى نحو عقد من الزمن، انتشرت بين المثقفين وبعض المؤسسات الدولية حركة تنديد بـ”العولمة”، تُشبه إلى حد كبير ما يُقال اليوم عن “أميركا ترامب”. وقد عُقدت حول هذا الموضوع مؤتمرات في مختلف أنحاء العالم، بما فيها بيروت. وكان الدكتور وائل الخير من بين الّذين اعتلوا المنبر في ندوة نُظمت في فندق “الكومودور”.

استهل الدكتور وائل كلمته بمشهد يُجسد واقعاً قائلاً:

لقد التزمت البشرية، حتى القرن التاسع عشر، بتراثٍ لم تحد عنه يوماً، وهو انتقال الأشخاص ونقل البضائع على الدواب والعربات. لكن مع حلول القرن التاسع عشر، تطورت وسائل النقل، وهو ما سعى الفرنسيون إلى إدخاله في لبنان الكبير من خلال شق الطرق وتوسيعها، خصوصاً في الجبل، إيذاناً بعصر جديد: عصر نقل البضائع والمسافرين بالشاحنات والباصات والسيارات، من دون أن ننسى سكة الحديد (القطارات).

كان هذا التطور تهديداً مباشراً لمهنة “المكّارية”، بل نذير بنهايتها. التقى خمسة من المكّارية في أحد الخانات، ودار بينهم نقاش حول هاجس مشترك: ما العمل لوضع حد لهذا الكابوس؟ وكيف نحافظ على مهنتنا ونحمي مصدر رزقنا؟

قال أولهم:

لماذا لا نُثير حجة دينية في وجه دعاة النقل الحديث بالشاحنات والسيارات؟ هل ورد في الكتب المقدسة لدى أديان لبنان وطوائفه ذكرٌ لهذه البدعة؟ هل استعان أي نبي أو رسول أو وليّ بوسيلة نقل غير الحمار أو البغل أو الجمل (وفي أفضل الأحوال، الحصان)؟ هذه الوسائل الحديثة شرك وبدعة، ومصير من يستخدمها معلوم: السعير وبئس المصير.”

أبدى الحاضرون إعجابهم بالفكرة، فقام ثانيهم مؤيداً بحرارة، ثم أضاف:

أقترح أن نُضيف حجة بيئية نحصل بها على دعم العلمانيين أيضاً. فهذه السيارات والشاحنات تلوث البيئة بالغازات المنبعثة منها، ولا شك أن لها دوراً في ارتفاع حرارة الأرض وتهديد البشرية بالزوال. في المقابل، الحمير والبغال والجمال أرفق بالطبيعة، بل تسهم في خدمتها من خلال نثر روثها في كل مكان.”

تحمّس ثالثهم، وقال:

“دعونا نضيف حجة سياسية تستميل اليساريين المناهضين للاستعمار والإمبريالية. أليس من الواضح أن هذا التحول عن وسائل النقل التقليدية يصب في مصلحة الدول الغربية الاستعمارية، وعلى رأسها الولايات المتحدة؟ سنُجبر على شراء المنتجات التي تصنعها تلك الدول، واستهلاك المحروقات التي تنتجها وتسوّقها الشركات النفطية التابعة لها، ما يزيد من اعتمادنا الاقتصادي عليهم – أي على أنظمتهم الصناعية وشركاتهم – ويُفاقم من هشاشة أوضاعنا. في حين أن هدفنا يجب أن يكون العكس تماماً: تقويض نفوذ المعسكر الإمبريالي.”

أما الرابع، فطرح بُعداً اقتصادياً، قائلاً:

من هي الدول المُنتجة لوسائل النقل الحديثة؟ أليست دولاً أجنبية؟ لماذا نخدم اقتصاداتهم بدلاً من اقتصادنا الوطني؟ إن الأموال التي ستُنفق على هذه الوسائل ستكون طائلة، وسنتحوّل إلى استهلاك مستمر لما ينتجونه. في المقابل، البغال والحمير – كما نعلم جميعاً – إنتاج محلي.”

أما المكّاري الخامس، فلزم الصمت. وفي اليوم التالي، التحق بمدرسة لتعلّم قيادة الشاحنات.

وكان السؤال ولا يزال: من كان الأحكم بين الخمسة؟

شارك المقال