مع بداية التغيرات والعوامل المناخية والرياح الجافة، تعود النيران لتفرض حضورها على المشهد اللبناني، ليس كحوادث عرضية، بل كأحداث متكرّرة باتت تُمثّل خطراً حقيقياً على الغطاء الحرجي، وآخرها حريق رمحالا – عاليه الذي كان واحداً من تلك الحرائق التي تندلع سريعًا وتتمدّد، تاركة وراءها خسائر بيئية جسيمة.
في السنوات الماضية، لم تمرّ أشهر الصيف من دون سلسلة من الحرائق التي طالت مساحات واسعة من الأحراج والغابات. في بعض الحالات، كانت الحرائق ناتجة عن إهمال بشري أو نفايات مشتعلة، وفي حالات أخرى، ظهرت مؤشرات على أن بعضها قد يكون مفتعلًا. لكن النتيجة دائماً واحدة: خسارة آلاف الأشجار، وتدهور التنوع البيولوجي، وتلوّث الهواء، وتراجع جودة التربة.
عوامل طبيعية وبشرية متشابكة
يُجمع الخبراء على أن أسباب اندلاع الحرائق في لبنان لا تنحصر بعامل واحد، فإلى جانب التغيّرات المناخية التي ترفع من درجات الحرارة وتجفّف التربة والنباتات، هناك اهمال للطبيعة اللبنانية أي غاباتها، بالاضافة إلى ضعف إجراءات الوقاية، مثل تنظيف الأحراج، وتوفير طرق نفاذ لسيارات الإطفاء، ومراقبة المناطق المعرّضة للخطر.
الرياح الخمسينية التي تضرب المناطق الجبلية في هذا التوقيت من السنة تُعدّ عنصراً محفزاً أساسياً، إذ تساعد على انتشار الحريق بسرعة، ما يصعّب مهمة السيطرة عليه حتى مع تدخل فرق الدفاع المدني التي تعاني بدورها من نقص في العتاد والتمويل والتجهيزات الحديثة.
تحذيرات متكرّرة.. بلا استجابة
في حديث لموقع “لبنان الكبير”، ألقى الخبير البيئي رامي أبو شديد الضوء على أسباب الحرائق المتكررة في الغابات اللبنانية، مشدداً على ضرورة التوعية البيئية لمعالجة هذه الأزمة بصورة فاعلة.
وأشار أبو شديد إلى أن الحرائق التي تندلع سنوياً ليست مجرد حوادث عابرة، بل نتيجة لعوامل متشابكة بين الطبيعة والإهمال البشري، قائلاً: “مع حلول الصيف، يصبح خطر الحرائق أكبر بسبب درجات الحرارة المرتفعة والرياح الخمسينية الجافة التي تساعد على انتشار النيران بسرعة. لكن المشكلة الأكبر تكمن في غياب خطط إدارة مستدامة للغابات، إضافةً إلى عدم تنظيف الأحراج بصورة دورية من الأعشاب الجافة والنفايات التي تعد بيئة خصبة لاندلاع الحرائق.”
وللتقليل من خطر الحرائق، نصح أبو شديد المواطنين بالتخلص من الأعشاب الجافة والنفايات في المناطق المحيطة بالغابات، وعدم إشعال النار في الأماكن المكشوفة”، معتبراً أن على الجميع أن يكونوا حذرين خصوصاً في الأماكن القريبة من الأحراج، كما يجب إطفاء أي نار تماماً قبل مغادرة المنطقة.
ورأى أن “التوعية المجتمعية هي العنصر الأساسي في الحد من هذه الكوارث. يجب نشر الثقافة البيئية بين المواطنين خصوصاً الذين يعيشون بالقرب من الغابات، وتعريفهم بكيفية التعامل مع النار وتفاديها. كما يجب على السلطات المحلية أن توفر حملات توعية دورية، وتعمل على تنظيم ورش عمل للمزارعين والسكان المحليين حول الوقاية من الحرائق.”
غياب خطط استراتيجية
تالا، إحدى المتطوعات في جمعيات بيئية أشارت في حديث لـ”لبنان الكبير” الى أهمية الاستعداد المبكر لموسم الحرائق الذي يلوح في الأفق مع قدوم الصيف، مؤكدة أن “الحرائق التي نشهدها سنوياً لا تعكس الخطر البيئي وحسب، بل تعكس غياب خطط استراتيجية من الدولة. يجب أن يكون هناك تحضير فعلي قبل بدء موسم الحرائق، وليس الاكتفاء بردود الفعل بعد اندلاع النيران”. وطالبت وزارة البيئة بتأمين خطط استباقية واضحة، وتعزيز التنسيق بين الفرق المختلفة لحماية الغابات.
أما وليد، وهو متطوع أيضاً في إحدى الجمعيات البيئية، فاعتبر أنه لا بد من إدخال تغييرات جذرية في كيفية التعامل مع التحديات البيئية، مشيراً الى “أننا نحتاج إلى ميزانية مخصصة لحماية الغابات، وتدريب فرق محلية على مكافحة الحرائق، بالاضافة إلى تحديث معدات الإطفاء وتوفير الطوافات بصورة دائمة”. ولفت إلى أن غياب خطة فعلية من الدولة لحماية الغطاء الحرجي يترك الجمعيات والمتطوعين في موقف صعب، معتمدين على موارد محدودة.


