في بلد يترنّح تحت ثقل الأزمات من ضائقة اقتصادية، إلى نزوح سوري لا يزال موجوداً حتى اليوم، وتراجع حاد للقطاع الصحي، لم تكن المساعدات الأميركية مجرد دعم خارجي، بل كانت بمثابة أوكسجين يتنفس منه لبنان على وقع الانهيارات. لكن هذا الأوكسجين بدأ ينفد.
في السنوات الماضية، وخصوصاً خلال عهد الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، تقلّصت برامج الدعم الخارجية بصورة لافتة، ضمن سياسة تقشف حادّة طالت لبنان مباشرة. عشرات المشاريع من تنموية واجتماعية أُلغيت، منها أكثر من 38 مليون دولار كانت مخصصة لتحفيز الأعمال الصغيرة، و13 مليوناً لمواجهة الأزمات الصحية. وكل ذلك حصل فيما كانت المستشفيات تئن تحت وطأة العجز، والمؤسسات الاجتماعية تلفظ أنفاسها الأخيرة.
وعلى الرغم من أن الحصص الكبرى من التمويل الأميركي لا تزال تُضَخ في شرايين دول حليفة كإسرائيل، مصر والأردن، إلا أن لبنان ظل على الهامش، يتلقى ما يكفي فقط لعدم الغرق الكامل.
وفي إعلان الولايات المتحدة عن تخصيص 2.3 مليار دولار لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا للسنة المالية 2024، لم يكن نصيب لبنان كافياً ليكبح التدهور المتسارع، فبينما يحصل على جزء من هذه المساعدات لدعم اللاجئين وتغطية الاحتياجات الانسانية، تشير الوثائق المسرّبة إلى أن حجم الدعم آخذ بالتآكل، ما يفتح الباب على تداعيات اجتماعية واقتصادية مقلقة.
نجم: الانذار المالي يترجم باصلاحات فعلية
الخبير الاقتصادي عماد نجم حذر من التداعيات المتراكمة لتراجع المساعدات الخارجية، وخصوصاً الأميركية، على الواقع المالي والاجتماعي في لبنان، معتبراً أن هذا التقليص لا يمكن عزله عن بنية الانهيار الذي يمرّ به البلد منذ سنوات.
وقال نجم في حديث لـ”لبنان الكبير”: “ما يحصل اليوم هو ضربة مزدوجة: الاقتصاد لا يملك أي قدرة ذاتية على التعافي، والمساعدات التي كانت تُشكّل آخر شريان دعم خارجي، بدأت تتقلص بوتيرة مقلقة. هذا ليس مجرد رقم ينخفض، بل تأثير مباشر على قطاعات حيوية مثل الصحة، التعليم ودعم النازحين.”
وأوضح أن لبنان لم يعد يُنظر إليه من زاوية الدعم الاستراتيجي كما كان في السابق، بل بات “ملفاً هامشياً” ضمن أولويات واشنطن، خصوصاً مع انكفاء الولايات المتحدة نسبياً عن المنطقة، وصعود أولويات أكثر إلحاحاً كأوكرانيا والصين.
أكثر ما يُقلق، بحسب نجم، “هو غياب البدائل. فحتى الجهات المانحة الأخرى تمرّ بحسابات تقشفية، والمجتمع الدولي تعب من تمويل دولة لا تقوم بإصلاحات بنيوية. وبالتالي، أي فراغ تمويلي اليوم لن يُملأ بسهولة.”
ورأى أن “هذا الإنذار المالي اذا لم يُترجم بإصلاحات فعلية وإعادة هيكلة جدية للمؤسسات، فإننا نتّجه نحو مرحلة أكثر خطورة، بحيث قد نشهد انفجاراً اجتماعياً جديداً نتيجة العجز عن تلبية أبسط الحاجات.”


