من بين كل الملفات المعقدة في سوريا، يبقى ملف إعادة بناء المؤسسات الأمنية من أبرز التحديات وأكثرها إلحاحاً. فبعد أكثر من عقد من الصراع والانهيار المؤسسي، يبدو أن الداخل السوري أمام معركة جديدة، عنوانها الأمن والاستقرار طويل الأمد، لا عبر القمع بل من خلال التأسيس لمؤسسة شرطية وأمنية مهنية، شفافة، ومتماهية مع المجتمع.
في هذا السياق، كشفت مصادر حكومية لموقع “لبنان الكبير” عن توجه رسمي نحو استلهام النموذج الأمني الرائد للمملكة العربية السعودية، في مسعى لإعادة بناء المؤسسات الأمنية في سوريا على أسس حديثة، تتجاوز الارتجال إلى الحوكمة المؤسسية.
دياب: الدورات اضطرارية
يقول النقيب حسن دياب، وهو ضابط في وزارة الداخلية السورية: إن الوزارة خرّجت حتى اليوم 24 دفعة تدريبية جديدة، تضم كل واحدة منها ما بين 400 إلى 700 عنصر، بمعدل دفعة كل 15 يوماً، مشيراً إلى أن “إجمالي عدد الخريجين وصل إلى نحو 17 ألف عنصر في فترة زمنية قصيرة، ما يعكس حجم الحاجة والاستنفار الأمني الذي تشهده البلاد.”
ويضيف دياب في حديثه لـ “لبنان الكبير”: “هذه الدورات جاءت كرد فعل على الواقع الأمني المتردي. يمكن وصفها بـالاضطرارية. الوضع الميداني تطلب تعبئة عاجلة، لكنّ هذه التعبئة تحتاج الآن إلى تعميق وتطوير.”
ويلفت إلى أن العناصر بحاجة إلى إعادة تأهيل شامل، ودورات مكثفة وطويلة الأمد، تستند إلى علم الشرطة الحديث، وتفتح الباب أمام التعاون الإقليمي والدولي.
“لدينا طاقات بشرية هائلة، من ضمنها الخبرات الأمنية السورية التي انشقت عن النظام السابق. علينا الافادة من تلك العقول، وإيفادها إلى دول عدة لاكتساب أفضل الممارسات، خصوصاً إلى المملكة العربية السعودية، لما تملكه من نموذج محترف في إدارة القوى الأمنية”، بحسب دياب.
النموذج الأمني السعودي
لا تُخفي دمشق إعجابها بالنموذج الأمني السعودي، وهو ما تؤكده مصادر رسمية تحدثت لـ “لبنان الكبير”، معتبرة أن المملكة “نجحت في بناء مؤسسة شرطية نموذجية، مدنية الطابع، عالية التنظيم، ومرتكزة على المبادئ الحديثة في الحوكمة الأمنية،
وأهمها:
– التأهيل التخصصي المتدرج.
– الرقابة والشفافية.
– اعتماد التقنية في الإدارة والتحقيق والمراقبة.
– احترام حقوق الإنسان والتواصل المجتمعي.
كما أن وزارة الداخلية السعودية تعد اليوم من أكثر الوزارات العربية تطوراً من حيث الهيكلة، الادارة، وتوزيع الصلاحيات، وقد تحولت إلى نموذج يحتذى في المنطقة، بما يشمل الأمن الوقائي، الشرطي، المروري، وخدمات الإقامة والتراخيص.
يقول مصدر حكومي، لموقع “لبنان الكبير”: “ما تقدمه السعودية اليوم في قطاع الأمن ليس مجرد ضبط للشارع، بل هو دمج للأمن بالخدمة والتنمية. وهنا يكمن الفرق. في سوريا نحتاج الى أن نتعلم كيف نبني جهازاً أمنياً يحمي المواطن، لا أن يُرهبه.”
مؤسسة الأمن السوري: بين الطموح والتحدي
على الأرض، بدأت وزارة الداخلية السورية بعمليات تأهيل واسعة لعناصر الأمن العام والشرطة، تضمنت برامج تدريب أولي، مع وعود بدورات لاحقة متقدمة. لكن هذه الخطوات، بحسب متخصصين، لا تزال تعاني من:
– ضعف التنسيق بين الأجهزة.
– غياب الإشراف الحقوقي.
– غياب الهيئات الرقابية المستقلة.
– ضعف التمويل والتجهيز التقني.
ويقول النقيب دياب إن سوريا بحاجة إلى منظومة أمن متكاملة، تشمل الأمن الجنائي، والمرور، والهجرة، ومكافحة المخدرات، مع خطة موازية لتأهيل العناصر على المستويين الأكاديمي والنفسي، لأن “الأمن لا يُبنى بالقوة فقط، بل بالثقة والانضباط”.
ويؤكد أن الخطوة الأهم هي “ترسيخ الرقابة الداخلية والشفافية، وإنشاء هيئات مستقلة تراقب الأداء الأمني وتتلقى شكاوى المواطنين، وهو ما يُعدّ عنصراً أساسياً في النموذج السعودي الناجح.”
ويتفق الخبراء على أن التحدي الأكبر ليس أمنياً وحسب، بل اجتماعي-سياسي. فالثقة التي فُقدت بين المواطن وأجهزة الأمن خلال سنوات الصراع، لا يمكن استعادتها إلا من خلال أداء مهني نزيه، قائم على المساءلة واحترام القانون.
ويشير دياب إلى أن أحد أهم عناصر استقرار الأمن في سوريا مستقبلاً هو “الالتزام بالمعايير الحقوقية، والتفاعل الحقيقي مع المجتمع المحلي، لا التعامل معه كهدف أمني”.
لا شك في أن سوريا أمام فرصة حقيقية لإعادة بناء جهازها الأمني من الصفر، ولكن بشروط جديدة، أهمها: الحوكمة، الاحتراف، الشفافية، والاندماج بالمجتمع. واستلهام التجربة السعودية في هذا المجال قد يكون حجر الأساس لهذه الانطلاقة.
فكما يؤكد النقيب دياب؛ “الوضع الأمني فرض علينا تعبئة عاجلة، لكن المرحلة القادمة تتطلب بناء مؤسسات فعلية، وليس سد ثغرات فقط”. وإذا ما سلكت سوريا هذا الطريق بجدية، فقد تنجح في تحويل أجهزتها الأمنية من أدوات طوارئ إلى ركائز دولة مدنية آمنة ومتماسكة.


