الشرع لـ “لبنان الكبير”: ملف سجن رومية يشهد تقدماً فعلياً

ماهر الحمدان

في حدث ديبلوماسي مشحون بالرمزية السياسية ومتعدد الأبعاد، استقبل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون نظيره السوري الجديد أحمد الشرع، في قصر الإليزيه، فاتحاً بذلك صفحة جديدة في تاريخ العلاقات الفرنسية – السورية، ومُطلقاً إشارات قوية إلى انفتاح فرنسي محسوب تجاه النظام السوري الجديد الذي أتى بعد انهيار حكم دام أكثر من نصف قرن. تمثل هذه الزيارة الرسمية الأولى لرئيس سوري إلى أوروبا منذ سقوط النظام السابق في دمشق أواخر 2024، نقطة تحول مفصلية قد تؤذن بمرحلة إعادة تشكّل واسعة في التوازنات الاقليمية والدولية، خصوصاً في ظل اشتداد التنافس بين القوى الدولية على النفوذ في الشرق الأوسط.

بروتوكول برسائل سياسية ومحادثة طويلة

الاستقبال الذي نظمته الدولة الفرنسية تجاوز الشكل البروتوكولي الكلاسيكي ليحمل رسائل سياسية دقيقة المعاني. فقد تمّ إعداد مراسم دقيقة بعناية فائقة، ضمّت عناصر من الحرس الجمهوري الفرنسي ورفع العلم السوري الجديد للمرة الأولى في زيارة رسمية رئاسية في أوروبا. ومن الاشارات اللافتة إدراج زيارة الوفد السوري إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل الفرنسية، وهو ما اعتُبر دلالة على انفتاح باريس على مقاربة أكثر شمولية وإنسانية لقضية اللجوء السوري، بعيداً عن المقاربة الأمنية أو الإغاثية البحتة التي طبعت المواقف الأوروبية خلال العقد الماضي.

هذا التفصيل غير العابر يشير إلى رغبة فرنسية في استكشاف أطر تعاون مؤسساتي طويل الأمد مع دمشق الجديدة، خصوصاً في ما يتعلق بملف إعادة اللاجئين الطوعي والآمن، وتقديم حوافز سياسية واقتصادية مقابل ضمانات قانونية وإنسانية حقيقية. واللافت أن الحشود السورية التي تجمعت لتحية الشرع أمام قصر الاليزيه، كانت مفاجئة حتى للأجهزة الأمنية الفرنسية.

اجتماع طويل: ما وراء الساعتين والربع

على الرغم من تحديد موعد اللقاء بين الرئيسين من الساعة الخامسة والربع وحتى السادسة والنصف مساءً، إلا أن الاجتماع المغلق استمر أكثر من ساعتين وربع الساعة، وهو ما يكشف عن تعقيد الملفات المطروحة، وثقل اللحظة السياسية التي تتقاطع فيها المصالح الاستراتيجية مع الحسابات الجيوسياسية الدقيقة. ووفق مصادر مطّلعة لموقع “لبنان الكبير”، فإن المحادثات بين الرئيسين تمحورت حول أربعة ملفات مركزية:

1- رفع العقوبات: سياسة العصا والجزرة الفرنسية

في المؤتمر الصحافي المشترك، أعلن ماكرون صراحة عزمه على الدفع باتجاه مراجعة شاملة للعقوبات المفروضة على سوريا داخل أروقة الاتحاد الأوروبي. لكن اللافت أن ماكرون لم يقدم موقفه بوصفه “تنازلاً”، بل كجزء من استراتيجية أوروبية جديدة تقوم على مبدأ “الربط المشروط”: رفع تدريجي للعقوبات مقابل التزامات واضحة من دمشق الجديدة في ملفات الإصلاح، والمحاسبة، وحقوق الإنسان، وفتح المجال أمام مؤسسات المجتمع المدني. وتبدو باريس راغبة في التمايز عن الخط الألماني الأكثر تشدداً، واغتنام لحظة الفراغ الأميركي النسبي في الملف السوري لتعيد ترسيخ نفوذها التاريخي في المشرق.

2- مكافحة الإرهاب والتنسيق الأمني: نحو شراكة جديدة

تم الاتفاق على إعادة تفعيل قنوات التنسيق الاستخباري بين دمشق وباريس، خصوصاً في ما يتعلق بتحركات بقايا تنظيم “داعش” في البادية السورية ومناطق شرق الفرات. وقد أبدى الشرع تفهماً للمخاوف الأوروبية من عودة المقاتلين الأجانب، لكن في الوقت نفسه أوضح ضرورة العمل على آلية لعودتهم بطريقة منظمة. كما تم التوافق على الإبقاء على التنسيق بين “قوات سوريا الديموقراطية” واللجنة المكلفة لحل القضايا الشائكة.

3- النفط، الغاز، والمخدرات: الطاقات والثغرات

في ملف الاقتصاد السياسي، طلب الشرع صراحة عودة الشركات الفرنسية الكبرى مثل “توتال” و”إنجي” للعمل في قطاع الطاقة، لا سيما في مناطق الشمال الشرقي حيث هناك قوات فرنسية ضمن التحالف الدولي. واعتبر أن عودة هذه الشركات ستكون رمزاً دولياً لانفتاح الغرب على سوريا الجديدة. من جهة أخرى، طُرح ملف تهريب الكبتاغون باعتباره تهديداً عابراً للحدود، لا يقل خطورة عن الإرهاب. وتعهّد الرئيس الشرع بضرب شبكات التهريب التي تورطت فيها فصائل محسوبة على النظام السابق وبعض الميليشيات المرتبطة بإيران، في رسالة ضمنية إلى باريس تفيد برغبة دمشق في فك الارتباط مع بعض الحلفاء الاقليميين السابقين.

4- الملف اللبناني والمسار الثلاثي: بيروت على طاولة باريس

أجمع الجانبان على ضرورة إعادة تنشيط العلاقة السورية – اللبنانية على قاعدة التكافؤ السياسي والاقتصادي، مع إفساح المجال أمام رعاية فرنسية –سعودية مشتركة لضمان توازنات دقيقة في بيروت ودمشق. وجرى التباحث في إمكان عقد مؤتمر ثلاثي في الربع الأخير من السنة الجارية يجمع مسؤولين رفيعي المستوى من الدول الثلاث، بهدف إطلاق مشاريع اقتصادية إقليمية تبدأ بقطاع الطاقة والنقل، وتشمل لاحقاً البنية التحتية والجامعات. واعتُبر هذا الملف بمثابة مفتاح حقيقي لقياس مدى جدية النظام السوري الجديد في تجاوز ممارسات الماضي وبناء شبكة مصالح مستقرة.

تبادل السفراء: عودة اللغة الديبلوماسية

في خطوة ذات دلالة رمزية وتنفيذية معاً، أُعلن عن تبادل السفراء بين باريس ودمشق. فقد تم تعيين جان-باتيست فافر، السفير الفرنسي السابق في قطر، كممثل لفرنسا في دمشق، وهو ديبلوماسي معروف بخبرته في ملفات الشرق الأوسط وقدرته على التحاور مع أنظمة معقدة. وفي المقابل، طلبت فرنسا من الحكومة السورية الجديدة ترشيح اسم سفيرها في باريس خلال الأسابيع القادمة، في خطوة تمهد لعودة اللغة الديبلوماسية إلى ما كانت عليه ما قبل 2011، ولكن بشروط جديدة من الجانبين.

صوت الجالية ورسائل العدالة

بعيداً عن أروقة قصر الاليزيه، حرص الرئيس الشرع خلال لقائه مع الجالية السورية في فرنسا على توجيه رسائل واضحة تتصل بجوهر المرحلة الجديدة. ففي تصريح خصّ به موقع “لبنان الكبير”، تحدث الشرع عن التزامه الثابت بإنهاء الإفلات من العقاب، مؤكداً أن من ارتكب انتهاكات لن يفلت من المحاسبة مهما طال الزمن أو علا المنصب. وأعلن عن منحه كامل الصلاحيات للجنة التحقيق المستقلة، مشيراً إلى أن الأسبوع المقبل سيشهد ولادة “هيئة العدالة الانتقالية” و”هيئة المفقودين الوطنية”، وهما مؤسستان ستعملان بفعالية لكشف الحقيقة وإنصاف الضحايا.

كما نقل الشرع رسالة مؤثرة من معتقلي سجن رومية، الذين عبّروا عن صبرهم وإيمانهم بعدالة قادمة، مشيراً إلى أن الملف يشهد تقدماً فعلياً على الرغم من العقبات. وأضاف أن الدولة السورية الجديدة تضع في مقدمة أولوياتها ضبط السلاح، وصون السلم الأهلي، وبناء وطن قائم على المساواة بين جميع المواطنين، من دون طوائف أو متاريس.

باريس ودمشق: شراكة مشروطة… ولكن استراتيجية

زيارة الرئيس الشرع إلى باريس ليست حدثاً بروتوكولياً فحسب، بل يمكن اعتبارها الشرارة الأولى في إعادة تطبيع أوسع بين سوريا والاتحاد الأوروبي، تبدأ بخطوة فرنسية وقد تتبعها خطوات ألمانية، يونانية، وربما إيطالية. والأهم من كل ذلك أن فرنسا، بقيادة ماكرون، تبدو مستعدة للعب دور يتجاوز حدود الديبلوماسية التقليدية، عبر المساهمة في رسم خريطة أمنية – اقتصادية بديلة في شرق المتوسط، تعيد التوازن بين النفوذين الايراني والتركي، وتعيد إحياء دور “فرنسا الشرق”.

فرنسا لم تستقبل مجرد رئيس، بل استقبلت معادلة سياسية جديدة. الرئيس الشرع لم يأتِ فقط ليطلب رفع العقوبات أو استعادة الشركات، بل ليقول للعالم إن سوريا بعد كانون الأول 2024 لم تعد هي ذاتها. وفي المقابل، قال ماكرون بوضوح إن باريس جاهزة لأن تكون “عرّابة” العودة السورية إلى المسرح الدولي… ولكن بشروط دولة تحترم القانون الدولي، وتلتزم بتعهداتها أمام شعوبها أولاً، وأمام المجتمع الدولي تالياً.

شارك المقال