في كلّ عام، وتحديداً في آخر أربعاء من شهر نيسان، يحيي البيارتة تقليداً شعبياً روحانياً غارقاً في القِدم، يعرف باسم “أربعاء أيوب”. هو يوم لا يشبه سواه، تمتلئ فيه البيوت برائحة الطحينة والسكر، وتُطبخ فيه أكلة حلوى فريدة من نوعها تُعرف باسم “المفتقة”. هذه المناسبة تختلط فيها النكهة بالتاريخ، والطعام بالإيمان، وتحمل في طياتها قصة من الصبر، النعمة، والذاكرة الجماعية لأبناء بيروت، خصوصاً من أبناء الطائفة السنية.
ما هي “أربعاء أيوب” و”المفتقة”؟
تُحيي هذه المناسبة ذكرى صبر النبي أيوب، الذي يُضرب به المثل في التحمّل والايمان على الرغم من المرض الشديد والمِحن القاسية. ووفقاً للتقليد البيروتي المتوارث، يُقال إن النبي أيوب، بعد طول معاناة، قَدِم إلى منطقة الرملة البيضاء في بيروت، حيث نصحه البعض بأن يغتسل في البحر. فغسل جسده في سبع موجات متتالية من مياه البحر المالحة، فشُفي بإذن الله، وكان ذلك اليوم يوم أربعاء، فبات يُعرف بـ “أربعاء أيوب”.
في هذا اليوم تحديداً، يتفنّن البيارتة بصناعة حلوى تقليدية لا يعرفها كثير من اللبنانيين خارج العاصمة، تُدعى “المفتقة”، التي تُعدّ رمزاً للصبر، تماماً كصبر النبي أيوب، فهي تتطلب وقتاً وجهداً طويلين في التحضير، ويُقال إن اسمها جاء من التعب الذي يرافق إعدادها، حتى أن الأكتاف والأيادي “تتفتق” من كثرة التحريك، وهنا ولدت التسمية “المفتقة”.
“لمة” بيروتية مستمرة
في مشهد يجمع بين العراقة والروحانية، اجتمع عدد من الشخصيات البيروتية يوم الأربعاء على شاطئ الرملة البيضاء لإحياء ذكرى “أربعاء أيوب”، وسط طقس صيفي مميز وأجواء تراثية نابضة بالدفء. وشارك في هذا اللقاء السنوي مختارون وناشطون اجتماعيون وفنانون، تقدمهم الفنان القدير صلاح تيزاني، المعروف بشخصية “أبو سليم”، في تجمّع حمل طابعاً وجدانياً وروحياً عميقاً، يعبّر عن استمرارية التقاليد البيروتية.
أبو سليم: محطة تأمل في الصبر
وفي حديث لموقع “لبنان الكبير”، تحدث الفنان صلاح تيزاني عن البُعد الروحي لهذه المناسبة، موضحاً أن “أربعاء أيوب” ليست مجرد تجمع اجتماعي، بل مناسبة تتخطى الظاهر لتلامس جوهر الايمان، والصبر والرضا بقضاء الله.
وقال: “أربعاء أيوب قصة كتير حلوة، لأنها بتذكرنا إنو الطبيعة أوقات بتساعد الإنسان، وخاصة إذا كان من أتقياء الله الصالحين”. وأشار الى أن الإنسان، على الرغم من طاقته المحدودة، قد يواجه بلاءات تفوق تحمله، مستشهداً بقصة النبي أيوب عليه السلام، الذي صبر على المرض والابتلاء حتى أصبح رمزاً عالمياً لـ”الصبر الجميل”.
كما لفت إلى أن هذه الذكرى لها رمزية خاصة، مستمدّة من الرواية التي تقول إن الله أمر نبيه أيوب أن يغتسل في البحر سبع مرات، في إشارة إلى الطهارة والشفاء من الألم، وهو ما يمنح هذا اليوم بعداً روحانياً وطبيعياً في آن.
وشدد أبو سليم على أهمية الحفاظ على هذه الطقوس، التي تمثل جزءاً من الهوية البيروتية، مؤكداً أن هذا اليوم يجمع الكل من مختلف الطبقات والمناطق، في لحظة واحدة من الصفاء، والمحبة، والمشاركة. وقال: “هيدي المناسبة ما لازم تندثر، لأن فيها عبرة ومغزى كتير كبار”.
المدهون: تربط أهل بيروت رغم الشتات
أما مختار محلة المزرعة الحاج سليم المدهون، فأكد في حديث لـ”لبنان الكبير”، أن “أربعاء أيوب” كانت ولا تزال مناسبة جامعة لأبناء بيروت، تكرّس معاني الانتماء والتواصل بين العائلات البيروتية.
وقال: “بيروت رغم إنها العاصمة، بس إلها ناسها وتقاليدها، وذكريات متل أربعاء أيوب بعدها عايشة معنا من أيام طفولتنا. نحنا كنا نشوف بيّاتنا يعملوا مفتقة، ونتجمع كلنا على البحر، حتى لو تغيّر المكان مع الوقت، الروح بعدها هي ذاتها”.
وأوضح أن اللقاءات حول “أربعاء أيوب” لم تكن مجرد نزهات بحرية، بل كانت لحظات تواصل فعلي بين أهل بيروت، بمختلف أحيائهم، من المزرعة إلى المصيطبة، ورأس بيروت، وحتى الأشرفية. وأضاف: “كنا نحس إنو كل البيارتة عيلة وحدة، بيجمعهم يوم واحد بالسنة، بيحمل الطابع العائلي والديني، وكل واحد بيجيب أكل من بيته، ونتشارك لقمة ومحبة”.
وأكد المدهون أن هذه المناسبات التراثية، وعلى الرغم من التغيرات الاجتماعية والمكانية، تبقى صلة وصل بين الأجيال، تربط الحاضر بالماضي، وتحيي في النفوس قيمة اللقاء والبركة التي لطالما ميزت البيارتة.


