رافعة اقتصادية سعودية مرتقبة للبنان عبر اتفاقيات تاريخية

هدى علاء الدين

بعد سنوات من الانكماش الحاد والانهيار المالي الذي أصاب البنية الاقتصادية في لبنان منذ العام 2019، يلوح في الأفق أملٌ حقيقي بمرحلة نهوض جديدة، تترافق مع مسار إصلاحي بدأ يتبلور تدريجاً، ما يفتح الباب أمام فرصة نوعية لإعادة تفعيل الشراكات الاقليمية. فقد أدّت الأزمة إلى تآكل شبه كامل في الثقة الدولية بقدرة الدولة اللبنانية على الالتزام والحوكمة الرشيدة، وهو ما انعكس في تجميد التعاون الاقتصادي مع أبرز الشركاء العرب، وفي مقدمهم المملكة العربية السعودية، التي شكّلت تاريخياً صمام أمان مالياً واقتصادياً للبنان.

اليوم، ومع انطلاق ولاية رئاسية جديدة وتشكيل حكومة تتّخذ خطوات إصلاحية طال انتظارها، تعود المملكة لتلعب دورها المحوري كشريك أول للبنان، ليس من خلال الدعم المعنوي أو المالي وحسب، بل عبر حزمة شاملة من الاتفاقيات الثنائية الاستراتيجية تغطي طيفاً واسعاً من القطاعات الإنتاجية والخدمية والمؤسساتية، في خطوة غير مسبوقة من حيث الشمول والعمق. وتكتسب هذه الاتفاقيات أهمية اقتصادية مضاعفة في ظل حاجة لبنان الملحة الى ضخ استثمارات مباشرة وإعادة هيكلة بنيته الاقتصادية، خصوصاً أن العديد من القطاعات التي تشملها هذه الاتفاقيات تُعد من محركات النمو الأساسية في الاقتصاد اللبناني.

وبحسب مصدر موثوق لموقع “لبنان الكبير”، من المرتقب أن تنضم ثلاث اتفاقيات إضافية إلى هذه الحزمة، تشمل الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، الشباب والرياضة، والزراعة، بما يعزز من شمولية المشروع الاقتصادي-التنموي المشترك بين البلدين، ليصل بذلك عددها إلى نحو 24 اتفاقية. هذا الحجم من التعاون لا يشكّل سابقة على المستوى الثنائي وحسب، بل يحمل أبعاداً اقتصادية استراتيجية بالنظر إلى تنوع المجالات التي تغطيها، ما يساهم في توزيع الأثر الاقتصادي الايجابي.

ويتابع المصدر، ما يميّز هذه المرحلة أن توقيع الاتفاقيات لن يكون منفصلاً عن المسار الاصلاحي الجاري في البلاد، بل سيكون مكمّلاً له ومتزامناً معه. ومن هنا، فإن تنفيذ هذه الاتفاقيات، بعد استكمال الإجراءات القانونية، سيتم وفق أعلى معايير الشفافية، وبآليات رقابية واضحة تضمن حسن التنفيذ، وتحفظ حقوق الطرفين – المانح والمستفيد – وتؤسّس لنموذج جديد من الحوكمة في إطار التعاون العربي المشترك.

ويبرز هنا دور “دولة القانون” ليس لضمان تنفيذ الاتفاقيات بفعالية وحسب، بل لضمان استمراريتها واستدامة نتائجها، وتحقيق أقصى افادة ممكنة منها. فالتزام لبنان بمبادئ الشفافية والمحاسبة في تنفيذ هذه الاتفاقيات سيشكّل اختباراً عملياً لقدرته على التحوّل إلى شريك موثوق وجدير بالاستثمار. ومن شأن نجاح هذا النموذج أن يُعيد رسم صورة لبنان في أسواق المال والاستثمار، ويشكّل حافزاً إضافياً لتدفّق الاستثمارات الخليجية والدولية في المستقبل.

تلاقي مسارين

تكمن أهمية هذه الاتفاقيات لا في عددها وتنوعها فحسب، بل في توقيتها المتزامن مع مسار إصلاحي داخلي بدأ يكتسب طابعاً تنفيذياً بعد سنوات من التعطيل والتراخي. فالتقاطع بين التوجه الاصلاحي في الداخل والدعم السعودي المنظم عبر اتفاقيات رسمية، يوفّر قاعدة صلبة للانتقال من مرحلة الإنقاذ إلى مرحلة إعادة البناء المؤسسي والاقتصادي. وهذا التلاقي يمنح الاتفاقيات بعداً استراتيجياً يتجاوز وظيفتها الفنية، لتُصبح أدوات إعادة تموضع اقتصادي ومالي للبنان، ومؤشراً على بدء مرحلة غير مسبوقة من التنسيق الاستراتيجي بين بيروت والرياض. وتُعد هذه الاتفاقيات، من حيث حجمها وتنوع القطاعات التي تغطيها، الأكبر من نوعها في تاريخ التعاون بين البلدين. وتعود جذورها إلى الزيارة الرسمية للرئيس سعد الحريري إلى الرياض في العام 2019، والتي شكّلت نقطة انطلاق لمسار جديد من التعاون الثنائي، تركز على تعزيز الشراكة في مجالات متنوعة. وتشمل هذه الاتفاقيات التعاون العلمي، الاعلامي، الثقافي، البيئي، والزراعي، بالاضافة إلى تنظيم المعارض، والدفاع المدني، والتعاون النقدي بين مصرف لبنان ومؤسسة النقد العربي السعودي.

الثقة.. حجر الأساس

استعادة الثقة المفقودة بالاقتصاد اللبناني تمثّل حجر الزاوية في أي مشروع نهوض مستدام. وفي هذا الاطار، تأتي هذه الاتفاقيات كأداة حيوية لإعادة ضخ الثقة في البيئة الاقتصادية اللبنانية، سواء من المستثمر المحلي أو الشريك الاقليمي والدولي. فعندما تأتي هذه الثقة من دولة بحجم المملكة العربية السعودية، وما تمثّله من استقرار نقدي ورؤية اقتصادية طويلة الأمد، فإن أثرها يتجاوز مضمون الاتفاقيات ليطال النظرة العامة إلى لبنان كوجهة اقتصادية قابلة للتعافي والنمو. كما أن تأثيرها سيمتد إلى تفعيل الحراك في القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص عمل، وتنشيط سوق العمل المحلي، ما يعيد الحركة الاقتصادية تدريجياً ويُخفف الضغط عن المالية العامة.

نقطة تحوّل

ستكون المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً للبنان الرسمي في معركته من أجل النهوض الاقتصادي. فهذه الاتفاقيات تتجاوز إطار التعاون التقليدي، لتشكّل رافعة سياسية – اقتصادية متكاملة، تعيد رسم موقع لبنان الاقليمي، وتُرمّم ما انقطع مع الشريك الخليجي الأبرز، في لحظة فارقة لم يعد فيها خيار الإنقاذ يحتمل التأجيل. وعليه، لا تمثل الاتفاقيات اللبنانية-السعودية المنتظرة مجرّد فرصة إنمائية عابرة، بل تشكّل لحظة تحوّل حقيقية تعيد لبنان إلى خريطة الاستثمار العربي المشترك. فبعد سنوات من العزلة والانهيار، بات من الممكن اليوم البناء على هذا الزخم لإطلاق دورة نمو جديدة، شرط أن تقترن هذه الاتفاقيات بإرادة سياسية فعلية تضمن حسن التنفيذ، وتستثمر في تحسين بيئة الأعمال وتحديث البنية التشريعية والادارية. فالنجاح في هذا المسار لن يكون مكسباً داخلياً فحسب، بل رسالة إلى الخارج بأن لبنان عاد ليكون شريكاً موثوقاً في المنطقة، وأن زمن الفرص الضائعة قد بدأ يقترب من نهايته.

شارك المقال