تعاني منطقة الشرق الأوسط منذ أكثر من 100 عام حالة عدم استقرار مزمنة، نتيجة التغيرات المتواصلة في موازين القوى والتدخلات الخارجية المتكررة. وبينما شهدت دول الخليج تطوراً اقتصادياً ملحوظاً، عانت دول ومناطق أخرى من صراعات دموية شرسة. أما الفرص النادرة التي سنحت لتحقيق السلام فأهدرت ما زاد من تعقيد الأوضاع.
ومنذ سقوط الامبراطورية العثمانية في أوائل القرن العشرين، كما نقرأ في مقال بموقع Fair Observer، “بقي الشرق الأوسط ساحة للصراعات والعنف والاضطرابات السياسية والتدخلات الأجنبية وصعود قوى إقليمية وسقوطها، والأزمات الاقتصادية. ولا يزال معظم هذه السمات حاضراً اليوم، وإن طرأت تغييرات على بعض الجوانب.. منها ما هو إيجابي ومنها ما هو سلبي. أما الثابت فبقي إمكانات المنطقة الهائلة والمثقلة بالتوترات السياسية والصراعات الداخلية والخارجية.
وتشهد الاقتصادات حالة من التحول، فدول الخليج الغنية بالنفط أصبحت من بين أكثر الدول تطوراً في العالم، مستفيدة من ثرواتها للتحول إلى مجالات كالذكاء الاصطناعي ووقود الهيدروجين والطاقة الشمسية وتنظيم الأحداث الرياضية الكبرى. أما خارجه، فتبدو الصورة الاقتصادية أقل إشراقاً، إذ تكافح المجتمعات مع معدلات بطالة مرتفعة، خصوصاً بين الشباب وظاهرة البطالة المقنعة بالاضافة إلى ضعف النمو والفساد وتراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية.
أبرز ما تغير هو ميزان القوى الإقليمي بحيث شهدنا تحولات ملحوظة على مدى الأشهر الـ18 الماضية. الولايات المتحدة لا تزال القوة الخارجية الأبرز في المنطقة، وإن كانت تواجه منافسة متزايدة، والديناميكيات الجديدة تخلق قدراً كبيراً من عدم اليقين بشأن مستقبل المنطقة. وأدى الهجوم الذي شنته حماس في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 إلى تحولات استراتيجية كبيرة في المنطقة، حيث أثبتت الحرب من جديد عدم القدرة على التنبؤ بنتائج الصراع. كما تراجعت قوة إيران الاقليمية بصورة كبيرة، مع فقدان عدد من وكلائها الخارجيين وحليفاً أساسياً كالنظام السوري. كما تراجعت مكانة روسيا الاقليمية بشدة، نتيجة انشغالها بحربها في أوكرانيا. وشجع ضعف إيران استراتيجية جديدة بحيث أفادت تقارير بأن إسرائيل اقترحت شن هجوم على البنية التحتية النووية الايرانية، لكن الرئيس الأميركي دونالد ترامب رفض الخيار العسكري في الوقت الحالي، مفضلاً المسار الديبلوماسي. وقد أُجريت ثلاث جولات تفاوضية بين الولايات المتحدة وإيران حتى الآن، ومن المتوقع استمرارها.
ولو أن الخيار وقع على الحرب بدلاً من التفاوض، لربما دخلت المنطقة في صراع دموي طويل الأمد، حتى وإن تم تحييد البرنامج النووي الايراني. ومع أن احتمالات الحرب لا تزال قائمة في حال فشل التفاوض، إلا أن الحوار الجاري حالياً يمثل تطوراً إيجابياً ينبغي الإشادة به.
وعلى الرغم من هذه التطورات الايجابية، تبقى المنطقة غير مستقرة، فاستمرار التصعيد الايراني والحرب في غزة وعدم وضوح مستقبل سوريا وتصاعد الطموحات التركية والتدخلات الدولية، كلّها تجبر الدول على تخصيص ميزانيات ضخمة للدفاع على حساب التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولا تقل التحديات الداخلية تعقيداً. ففي سوريا، فتح تغيير النظام الباب أمام فرصة نادرة للتحول وهناك إمكان لدفع البلاد نحو الاستقرار بدعم عربي وغربي مشترك. كما أن لبنان يشكل فرصة مماثلة إذا توافرت المساعدات الاقتصادية العاجلة. أما اليمن فيُعد من أعقد التحديات: على الرغم من تصعيد الضربات العسكرية الأميركية، لا تزال تهديدات الحوثيين للملاحة العالمية مستمرة، ومن غير المرجح إنهاء النزاع من دون دور مباشر من طهران في كبح جماحهم، وهو ما قد يتحقق عبر المفاوضات الجارية بين واشنطن وطهران.
أما الأسوأ وفقاً للمقال، فيتمثل في النزاعين الدمويين في غزة والسودان. ففي غزة، لم تسفر جهود وقف إطلاق النار عن نتائج، وارتفع عدد القتلى إلى أكثر من 50,000، وسط دمار شامل للبنية التحتية. وتتطلب إعادة إعمار القطاع، وفق تقديرات مارس (آذار) 2025، ما لا يقل عن 53 مليار دولار قابلة للارتفاع بعد. لكن الصراع مستمر، من دون أفق واضح للحل، مع تعنت الطرفين حول سلاح حماس. أما في السودان، فخلفت الحرب الأهلية أكثر من 150,000 قتيل و14 مليون نازح و30 مليون شخص بحاجة إلى مساعدات إنسانية. ولا تزال المعارك مستعرة بينما فشلت الجهود الدولية في إحراز أي تقدم. وكل ذلك يبقي المنطقة في دوامة التناقضات.. ما بين الأمل واليأس والفرص والمآسي”.


