مشكلة اسرائيل أنها دخلت حروباً لا تستطيع الانسحاب منها، ومشكلة الامام خامنئي أنه دخل مع حلفائه حروباً لا يستطيعون الانتصار فيها.
هذا الواقع يختصر ما وصل اليه الشرق الأوسط من أقصاه الى أقصاه بعد “السابع من أكتوبر” ويضع الرئيس الأميركي دونالد ترامب أمام خيارات صعبة يحاول بها طمأنة اسرائيل من جهة وتجنب حرب مع ايران من جهة ثانية، وهما أمران لا يبدوان في متناول اليد كما اعتقد أو كما تعهد خلال حملة العودة الى البيت الأبيض.
وليس سراً في هذا المجال أن الخيارات العسكرية التي تبناها الأطراف الثلاثة تفاوتت بين مكاسب في مكان وخسائر في مكان آخر، لكنها لم تصل الى حدود الانتصار الكامل أو الهزيمة الكاملة، في وقت لا يزال رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يحاول الغاء “حماس” في غزة، وتطويع “حزب الله” في لبنان، وتحييد سوريا بعد سقوط بشار الأسد، وتفكيك البرنامج النووي الايراني، على الرغم من القوة النارية الهائلة التي ضخّها على الجبهات الأربع، والتخلص من قيادات كانت حتى الأمس القريب أهدافاً يستحيل الوصول اليها وفي مقدمها حسن نصر الله.
وما لمسه نتنياهو في معاركه، لمسها ترامب في اليمن حيث لم تفلح الغارات الأميركية المتلاحقة بعد أكثر من شهر على انطلاقتها، في شل القدرات الصاروخية الحوثية التي لامست في الأمس محيط مطار بن غوريون في تل أبيب، ولم تعطه ما كان يتوقعه مع مستشاريه الأمنيين والسياسيين، أي حمل العراب الايراني على تقديم التنازلات التي يطلبها سواء في صنعاء أو غزة أو بيروت أو في ملف البرنامج النووي.
ويتردد في الأوساط العسكرية في كل من واشنطن وتل أبيب أن عامل الوقت صبَّ في مصلحة قوى الممانعة، وساهم في تعقيد العمل الميداني ونقله من سلاح الى سلاح آخر، في وقت باتت هذه الأوساط على اقتناع بأن حسم المعركة في كل من اليمن ولبنان وغزة يحتاج الى انزالات برية قد تقوم بها القوات الأميركية ضد معاقل الحوثيين في المناطق الجبلية المحصنة، أو من خلال اعداد الجيش اليمني لتولي هذه المهمة كما فعل الجيش العراقي في الموصل وسواها من المناطق العاصية، أو القوات الاسرائيلية التي باتت على اقتناع بأن القضاء على “حماس” يتطلب حرباً تحت الأرض لا فوقها، وأن القضاء على سلاح “حزب الله” يحتاج الى اجتياح بري شامل بعدما رفض لبنان الرسمي القيام بهذه المهمة أو على الأقل بعدما تأخر في التقاط الفرصة سواء طوعاً أو قسراً وسمح له بالتقاط أنفاسه وتذخير سلاحه وتعبئة بيئته وترهيب خصومه، وفرض شروطه هنا وهناك.
وما يعزز هذا الواقع، ظهور اقتناع في طهران بأنها لم تنهزم تماماً ولا تزال في موقع عسكري يسمح لها بالصمود في أي مفاوضات تجريها مع الشيطان الأكبر، لا بل يمنحها القدرة على أمرين: اغراء ترامب من خلال منحه اتفاقاً نووياً يتهالك للحصول عليه حرصاً على هيبته ومصداقيته، وتطويق نتنياهو من خلال منحه ضمانة أميركية تمنع طهران من دخول النادي النووي العسكري.
لكن السؤال يبقى، هل تبدو الأمور بهذه السهولة أو البساطة في حسابات طهران؟
الجواب ظهر في انتقال الأميركيين من سياسة الجزرة الى سياسة العصا بعدما وصلت صواريخ الحوثيين الى تل أبيب على الرغم من الدفاعات الجوية المتطورة، وبعدما تأكد لهم أن الايرانيين لن يفعلوا شيئاً ايجابياً لا في اليمن ولا في لبنان ولا حتى في غزة، وبعدما تأكد لهم أيضاً أن نتنياهو يميل الى انتهاج سياسة عسكرية مختلفة ومستقلة حتى لو أدى الأمر الى صدام سياسي مع ترامب.
ويتردد في تل أبيب أن نتنياهو لم يعد يأمن للرئيس الأميركي كما كان يفعل في السابق، هامساً أمام معاونيه أنه يتعامل الآن مع رجل لا يمكن التكهن بأفعاله ومع شخصية هي أقرب الى رجل الأعمال المتقلب منه الى رجل المواقف الثابتة، وملوحاً بامكان اللجوء الى أي خيار يمكن أن يضمن أمن الدولة العبرية حتى لو كان ذلك يعني الذهاب الى حرب بعيدة مع ايران وأخرى قريبة مع تركيا المتسللة الى سوريا عبر الرئيس أحمد الشرع.
وفي عودة الى المشهد العام الذي انطلق منه هذا التقرير، يتبين أن عدم الحسم البري قد يجر المنطقة الى ما يشبه حرب المئة عام أو الى حرب استنزاف تقضي على عهد ترامب وتعهداته، وعلى ما تبقى من اقتصاد ايران وثورتها الاسلامية، وعلى ما تبقى من هيبة اسرائيل وجيشها، وعلى أي فرصة يمكن أن تفتح الباب أمام تطبيع عربي – اسرائيلي واسع أو اقامة دولة فلسطينية مستقلة، اضافة الى ابطاء أو قطع الطريق على النهضة الاقتصادية القائمة في دول الخليج.
وأكثر من ذلك، يتخوف الكثير من المراقبين من أن يؤدي أي تعثر أميركي في مواجهة ايران الى أمرين: تشدد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موضوع السلام مع أوكرانيا لا بل تعزيز شهيته التوسعية نحو دول البلطيق، وتشجيع الصين على ضم تايوان الى أراضيها حتى لو أدى الأمر الى مواجهة مع الأميركيين، اضافة الى تكريس مثلث نووي أوروبي – آسيوي يضم روسيا والصين وكوريا الشمالية.
والسؤال هنا، ماذا يمكن أن يفعل ترامب كي يتجنب كل ذلك؟ تقول مصادر قريبة منه انه أدرك عقم الغارات الجوية في الحرب مع الحوثيين، على الرغم من الضربات الموجعة التي تلقوها، وانه بات أمام أمرين: اما فك العقوبات عن ايران في مقابل فك البرنامج النووي الايراني، واما الذهاب الى حرب جوية معها من جهة وأخرى برية في اليمن من جهة ثانية، مشيرة الى أن الكفة تميل الى الخيار العسكري حتى اثبات العكس.
وفي الجانب الاسرائيلي، لا يبدو نتنياهو أفضل حالاً، وسط أجواء تفيد بأنه يشعر بالاحباط حيال أمور عدة، أولها أنه لم يكمل حربه البرية في لبنان حتى حدود الليطاني وفرض شروطه بدل الاعتماد على قرار لا يجرؤ لبنان على تطبيقه، وثانيها أنه سمح بسقوط بشار الأسد واستبداله بعدو أطلسي اخواني هو الرئيس التركي رجب طيب اردوغان، وثالثها أنه تجاوب مع رغبة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن وتمنع عن قصف المنشآت النووية الايرانية عندما سنحت له الفرصة.
في اختصار، لا بد من العودة الى المربع الأول، أي الانطباع القائل ان نتنياهو يخوض حروباً لا يستطيع الانسحاب منها ما دام لم يحقق بعد مكاسب جوهرية تاريخية تضمن أمن بلاده الى الأبد، وان محور الممانعة يخوض حروباً لا يستطيع الانتصار فيها، ما يعني عملياً أن خيارات الحرب تتقدم على أي خيارات أخرى حتى اشعار آخر على الأقل.
والسؤال هنا، ماذا عن لبنان الذي يعتقد أنه بات حاجة دولية – عربية يجب حمايتها بكل السبل وفي كل الأوقات؟
تقول مصادر ديبلوماسية أميركية ان هذا الاعتقاد خاطئ تماماً ولا يستند الى أي أساس، مشيرة الى أن لبنان لا يريد الاقتناع بأن الحاجة اليه ستنتفي لحظة تختار ايران أمنها على أي أمر آخر، ولحظة يطمئن نتنياهو الى وضع لا يسمح فيه لصبي من “حزب الله” بحمل بندقية على بعد عشرات الكيلومترات من حدود بلاده الشمالية، ولحظة يحصل ترامب على ما يرضي غروره ويملأ جيوب الأميركيين وبطونهم.


