في واحدة من أكثر الملفات السورية حساسية، تتقدم دمشق بخطى واثقة نحو مناطق شرقي الفرات، حيث تجري مفاوضات دقيقة خلف الأبواب المغلقة مع “قوات سوريا الديموقراطية” (قسد)، تحت سقف النفط والسيادة. في الوقت الذي تعلن فيه الادارة الذاتية انتهاء العمليات العسكرية حول سد تشرين، تكشف مصادر مطّلعة لموقع “لبنان الكبير” عن تصعيد غير معلن في لهجة الحكومة السورية التي أرسلت رسالة واضحة: لا مفر من إعادة الحقول والسدود إلى سلطة الدولة – سلماً أو بالقوة.
في ظل انكفاء أميركي محتمل، وضغوط تركية متصاعدة، تتقلص هوامش المناورة أمام “قسد”، وتدخل البلاد منعطفاً مفصلياً حيث تتحول المفاوضات من مقاعد الحوار إلى معادلات ميدانية قد تعيد رسم الحدود بين الدولة والمجموعات شبه المستقلة.
التقى رئيس المخابرات العامة السورية، حسين السلامة، يوم الاثنين، قائد “قوات سوريا الديموقراطية” مظلوم عبدي، في اجتماع هو الرابع من نوعه منذ مطلع العام، عُقد داخل قاعدة التحالف الدولي بحقل العمر النفطي في محافظة دير الزور، شرقي سوريا.
ويأتي اللقاء وسط ضغوط غير مسبوقة من دمشق على قوات “قسد”، مع تصاعد التلميحات إلى خيار الحسم العسكري، إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق سياسي يعيد السيطرة على حقول النفط وسد تشرين إلى الحكومة المركزية. وأوضح مصدر مطّلع على سير المفاوضات لموقع “لبنان الكبير” أن “اللجنة المكلفة من الرئيس السوري، برئاسة حسين السلامة، شددت خلال الاجتماع على ضرورة تسليم الحقول والسد فوراً ومن دون مماطلة”، لافتاً إلى أن “المسار الوحيد المتاح هو التوافق مع الدولة، وإلا فإن الخيار البديل سيكون ميدانياً، وصبر الدولة هذه المرة ليس طويلاً”. وفي هذا السياق، قال الدكتور فاروق الإبراهيم، رئيس حركة الإصلاح والتنمية، لموقع “لبنان الكبير”: “هناك تلاعب كبير تقوم به قوات سوريا الديموقراطية. قلنا سابقاً إن ليس من حقها التماطل في تسليم المحافظات العربية ومقدراتها. وهي إلى الآن لا تزال تناور في ملف سد تشرين، وتماطل في ملف محافظة دير الزور، في حين هناك عشرات الآلاف يتوقون للعودة إلى ديارهم. سياسة قسد مرفوضة”.
وأضاف الإبراهيم: “التحالف الدولي يتجهز للانحصار وإعادة التموضع، ولن يكون حليفاً يمكن التعويل عليه. كما أن تركيا لا تزال غير راضية عن الاتفاق، والتماطل من قسد سيدفع باتجاه عمل عسكري واسع”.
الانعكاسات الاقليمية والمشهد الجيوسياسي
تصريحات الإبراهيم تعكس واقعاً جديداً في الشرق السوري، حيث تتقاطع الأجندات المحلية مع حسابات دولية متغيرة. فتركيا، التي تنظر إلى قوات “قسد” بوصفها امتداداً لحزب العمال الكردستاني، لا تزال تمارس ضغطاً عسكرياً غير مباشر، عبر دعم فصائل “الجيش الوطني” في محيط منبج وتل رفعت، بينما تقف روسيا موقف المراقب.
في واشنطن، يتراجع النفوذ تدريجياً في ضوء توجهات الادارة الأميركية نحو تقليص التزاماتها العسكرية في الشرق الأوسط، الأمر الذي يشجع دمشق على اتخاذ خطوات أكثر حزماً. أما في أنقرة، فإن صبر الحكومة التركية تجاه “قسد” آخذ بالنفاد، وهو ما دفع مسؤولين أمنيين إلى التعبير عن استيائهم من “عدم جدية” الحلول السياسية المطروحة.
تحول في قواعد الاشتباك
الاجتماعات المتتالية بين وفدي دمشق و”قسد” تأتي في سياق سياسي وأمني متغير. فمع تصاعد الحديث عن انسحاب جزئي محتمل للقوات الأميركية من المنطقة، يبدو أن الحكومة السورية تسابق الزمن لإعادة فرض سيادتها على موارد الطاقة في الشمال الشرقي. حقل العمر، أكبر حقول النفط في سوريا، بالاضافة إلى سد تشرين، يشكلان ورقتين استراتيجيتين في يد “قسد”، التي تعتمد عليهما كمصدر دخل وتموضع سياسي.
لكن دمشق، وفق ما كشفته مصادر عسكرية، لا تنوي التساهل بعد الآن، لا سيما بعد أن خرجت الادارة الذاتية لشمال سوريا وشرقها ببيان يوم الاثنين تعلن فيه انتهاء العمليات العسكرية في محيط سد تشرين، متهمة فصائل سورية مدعومة من تركيا بمحاولة “ضرب البنية التحتية والمنشآت الحيوية”، وهو كتمهيد لموقف تفاوضي يبرر استمرار “قسد” في السيطرة على هذه المرافق.
مرحلة ما بعد التحالف الدولي؟
اللقاء الذي تم في قاعدة التحالف نفسه، يطرح أسئلة جوهرية حول مستقبل وجود القوات الأميركية، خصوصاً بعد تكرار هجمات بالطائرات المسيّرة على مواقع تابعة للتحالف في مناطق شرق الفرات، ما دفع واشنطن الى إعادة تقييم وجودها العسكري. في هذا الفراغ المحتمل، تحاول دمشق انتهاز الفرصة لإعادة ضبط التوازن، مستندة إلى تقارب تكتيكي مع بعض الفصائل الكردية، واستعدادها لطرح “صفقة نفط مقابل شرعية” قد تضمن حكماً ذاتياً محدوداً مقابل تسليم الموارد الاستراتيجية.
لكن بحسب المصدر المقرّب من المفاوضات، فإن “دمشق لا تناقش الحكم الذاتي الآن، بل فقط استعادة السيطرة على مقدرات الدولة”، مضيفاً أن “السلامة كان واضحاً: على قسد أن تختار بين العودة للدولة أو مواجهة قوة الدولة”.
مفترق طرق
على الرغم من إعلان انتهاء المعارك في منبج، فإن البيان الصادر من الادارة الذاتية حمل لهجة تصعيدية غير معتادة، وصف فيها الهجمات على سد تشرين بـ”العدوان التركي”، في حين لم يأتِ على ذكر دمشق أو الاجتماعات الجارية، ما يعكس ارتباكاً في خطاب “قسد”، بين محاولتها الحفاظ على دعم دولي وبين واقع الضغوط المحلية المتزايدة.
في المقابل، تبدي دمشق ثقة متزايدة بإمكان إعادة فرض سلطتها، وتبدل المزاج الاقليمي حيال المشروع الكردي. كما أن الظروف الاقتصادية الخانقة في مناطق “قسد” تعزز من أوراق دمشق التفاوضية، بحيث تدعم العشائر العربية مشروع الدولة وتطالب بفرض سيادتها وعودة الخدمات إلى مناطقها.
بين طاولة المفاوضات وخيارات الميدان
ما يجري في دير الزور وسد تشرين يتجاوز كونه نزاعاً على الموارد، بل هو اختبار حقيقي لقدرة الحكومة السورية على استعادة سيادتها على كامل التراب الوطني، في وقت يتجه فيه ميزان القوى نحو التسويات الكبرى. بالنسبة الى “قسد”، فإن الحفاظ على المكاسب القديمة بات مرهوناً إما بتنازلات سياسية صعبة، أو بمخاطرة الدخول في مواجهة مع دمشق، في ظل تراجع الدعم الأميركي والتضييق التركي المتواصل.
في النهاية، المعضلة المطروحة الآن: هل تنجح الاجتماعات في صياغة تفاهم جديد يعيد دمج “قسد” ضمن الدولة السورية، أم أن المنطقة على شفا مواجهة مفتوحة قد تعيد خلط الأوراق من جديد؟


