كيف سيتعاطى البابا لاوون الرابع عشر مع القضايا العالمية؟

جورج حايك

ما إن إنتخب الكاردينال الأميركي روبرت فرنسيس بريفوست ليكون الحبر الأعظم الـ267 حتى بدأت الناس على كل المستويات تتساءل: كيف سيتعاطى مع القضايا العالمية الطارئة والأكثر أهمية اجتماعياً وبيئياً وسياسياً وتحديداً الحروب بين أوكرانيا وروسيا وغزة والسودان والهند وباكستان والنووي الايراني؟

لا شك في أن البابا الجديد منذ البداية رفع شعار “سلام وعدالة” وسط اضطرابات عالمية، وهو يرثها عن سلفه البابا فرنسيس الذي توفى منذ أسبوعين. وقد حرص البابا لاوون الرابع عشر في إطلالته الأولى على أن يُكرر كلمة “سلام” تسع مرات خلال خطابه.

وبهذه الكلمات، إختار أن يُكمل من حيث إنتهى سلفه، معتبراً أن رؤية عهده البابوي مبنية على قيم السلام وبناء الجسور، والذراع المفتوحة لكل “من يحتاج إلى محبتنا، وحضورنا، وحوارنا”.

لكن رسالته العاجلة للسلام ستواجه عالماً غارقاً في المعاناة والموت الناجمين عن حروب وحشية، وتوترات متصاعدة بين القوى النووية، وظلالاً دامغة من الانتهاكات داخل كنيسة يقودها الآن، وغضباً من بعض الشعوب حيال ما يفعله رئيس وطنه الأم الأميركي دونالد ترامب، إذ يعتبر كثيرون أنه سبّب الفوضى الكبيرة خلال ثلاثة أشهر من عهده.

واللافت أن الفاتيكان مارس الحياد في الحروب لمدة قرن، وبموجب اتفاقية يُحظّر على البابا التوسط في النزاعات العالمية إلا بطلب من الأطراف المتحاربة. لذلك تتوجّه الأنظار إلى البابا لاوون الرابع عشر وما إذا كانت رسالته عن السلام ستلقى صدىً.

قد لا يكون تأثير البابا الجديد كبيراً على الأزمات العالمية الشائكة، إنما تعتبر مصادر مقرّبة من الفاتيكان أنه سيكون له تأثير على صعيد العدالة الاجتماعية كما كان البابا فرنسيس. والأخير فعل الكثير لقطاع غزة مثلاً، إذ طالب مراراً وتكراراً بوقف إطلاق النار هناك وأدان الدمار الذي سببته إسرائيل. كما كان يتصل بكنيسة العائلة المقدسة في غزة كل ليلة منذ بداية الحرب، ويتحدث مع قادة الكنيسة والنازحين الفلسطينيين الذين لجأوا إليها. وحوّل سيارته البيضاء، التي خصّصت لزيارته إلى بيت لحم في الضفة الغربية عام 2014، إلى عيادة صحية متنقلة لمعالجة الأطفال الفلسطينيين، ضمن إحدى البعثات الأخيرة التي باركها في الأشهر التي سبقت وفاته.

من الواضح أن البابا لاوون الرابع عشر هو من أشد المعارضين لسياسات ترامب، وخصوصاً سياسة الهجرة، وقد إنتقده مراراً وتكراراً عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما انتقد نائبه جي دي فانس. وقد يكون ملف الهجرة الأكثر حساسية بالنسبة إلى البابا الجديد، لأن أصوله تعود إلى دول عدة منها فرنسا وايطاليا والبيرو. وقد أمضى 20 عاماً كمبشّر في أفقر مجتمعات البيرو، وكان مفتوناً بالبلاد لدرجة أنه أصبح مواطناً فيها. حافظ على روابط وثيقة مع أميركا اللاتينية، وكان على دراية بالاضطرابات والعنف والدمار الاقتصادي الذي غذى عدم الاستقرار في جميع القارات. لذلك خلال رئاسة ترامب الأولى، نشر البابا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي ينتقد فيها أجندة الرئيس، وخصوصاً إجراءاته ضد اللاجئين، و”عنصرية ترامب وقوميته”، وسياساته في فصل العائلات.

وأعاد نشر بيان صادر عن مؤتمر الأساقفة الكاثوليك الأميركيين عام 2017 ضد أمر ترامب بوقف قبول اللاجئين. وعبّر منشور آخر عن حزنه لانحدار أميركا إلى “دولة غير أخلاقية” بتخليها عن اللاجئين السوريين. كما نشر منشوراً يقول فيه إنه “لا يوجد أي شيء يُذكر من الناحية المسيحية أو الأميركية أو الأخلاقية” في فصل العائلات في عهد ترامب في قضايا الهجرة.

أحدث منشور له على X إنتقد فيه لقاء ترامب برئيس السلفادور نجيب بوكيلي، الذي وافق على احتجاز المهاجرين المرحَّلين من الولايات المتحدة في سجنه السيئ السمعة. يقول المنشور: “ألا ترى المعاناة؟ ألا يزعجك ضميرك؟ كيف يمكنك التزام الصمت؟”. وعلى الرغم من ذلك، قد تكون زيارة مُبكرة للولايات المتحدة على رأس جدول أعمال البابا الجديد.

لكن المصادر المقرّبة من الفاتيكان تؤكّد أن وحدة الكنيسة ستكون الشغل الشاغل للبابا في ظلّ الاستقطاب المُتزايد في العالم واختلاف الآراء والتوقعات داخلها. يعتقد بعض المراقبين أن هناك خطراً حقيقياً للانقسام بعد 20 عاماً من وجود باباوات على طرفي الطيف السياسي: بنديكتوس السادس عشر التقليدي والمحافظ، وفرنسيس الليبرالي والتقدمي.

يُنظر إلى البابا لاوون الرابع عشر على أنه مُعتدل. لكن هل سيكون شخصية موحِّدة، يتواصل مع التقليديين والتقدميين على حدٍ سواء، ويقود الكنيسة عبر تقلبات القرن الحادي والعشرين؟ أم أنه سينتمي إلى أحد أجنحة الكنيسة، مُنفِّراً بذلك جناحاً آخر؟

وستكون الديبلوماسية الدولية الثانية في سلّم أولوياته، لا سيما في ضمان عدم تحوّل الدين إلى مصدر للخلاف. سيواجه صراعات في أوكرانيا والشرق الأوسط والسودان، بالاضافة إلى قضايا الهجرة وأزمة المناخ والحرية الدينية وحقوق الانسان المثيرة للانقسام سياسياً.

وتلفت المصادر المقرّبة من الفاتيكان إلى أن البابا الجديد سيكون “واحداً من قلائل في العالم القادرين على تجاوز الخلافات السياسية واستخدام نفوذه الأخلاقي لمساعدة الجميع على تجاوز مصالحهم الذاتية الضيقة والعمل معاً للتغلب على تحدياتنا الجماعية”.

أما الملف الثالث المحوري فسيكون الاعتداء الجنسي، وهو الذي أرخى بظلاله الثقيلة على بابوية البابا فرانسيس. فقد كان بطيئاً في إدراك حجم المشكلة وطبيعتها المنهجية، ولم يفهم في البداية ألم الناجين وغضبهم. لم يختفِ هذا الألم، وسيخضع نهج البابا الجديد حتماً لتدقيق مكثّف. وتعتبر حماية الأطفال والبالغين المعرّضين للخطر، وخصوصاً في الأماكن التي يصعب فيها تطبيق إجراءات الحماية، قضية رئيسية في ملف البابوية.

ومن الملفات الشائكة الحوكمة التي سيضطر فيها البابا لاوون الرابع عشر إلى اتخاذ قرارات داخل الكنيسة، بما في ذلك وتيرة التغيير ومستويات الشمول في ما يتعلق بالعلمانيين والنساء. وسيحتاج إلى إجراء تعيينات رئيسية في غضون أيام لانطلاق البابوية الجديدة. كان هناك توجه نحو تعيين أشخاص عاديين مؤهلين ومحترفين في وظائف الفاتيكان بدلاً من رجال الدين. وفي عهد البابا فرنسيس، أُسند بعض الأدوار الرئيسية إلى النساء لأول مرة، لكن البعض يرى أن عملية التغيير يمكن أن تكون أسرع وأبعد مدى.

وتبرز القضايا المالية داخل الفاتيكان إلى الضوء، والتحدي الأول سيكون أمام البابا الجديد: الرقابة العامة والشفافية، وقد تحقّق تقدم كبير فيهما في عهد البابا فرنسيس، ولكن لا يزال هناك الكثير مما يتعين القيام به؛ ومستويات العجز غير المستدامة في مالية الفاتيكان.

وأخيراً، يبدو ملف الجنسانية والهوية الأكثر حساسيّة، إلا أن البابا فرنسيس غيّر موقف الكنيسة بشأن القضايا المتعلقة بالجنسانية والهوية، فأدان التمييز ضد مجتمع الميم، وعقد لقاءات مع رجال ونساء متحولين جنسياً، وأجاز منح مباركة الأزواج من الجنس نفسه.

وفي تشرين الأول 2023، نُشرت رسالة من البابا فرنسيس تدعم مباركة الزيجات بين المثليين على أساس كل حالة على حدة. وكتب البابا السابق إلى مجموعة من الكرادلة المحافظين: “لا يمكننا أن نكون قضاة ننكر ونرفض ونستبعد فقط. لذا، يجب على الحكمة الرعوية أن تُميز بدقة ما إذا كانت هناك أشكال من البركة، يطلبها شخص واحد أو عدة أشخاص، لا تُوحي بفكرة خاطئة عن الزواج. فعندما يطلب المرء البركة، فإنه يطلب العون من الله”. أما موقف لاوون الرابع عشر من مجتمع “الميم” فيبدو مختلفاً عن موقف البابا الراحل. ففي تشرين الأول 2024، أعرب الكاردينال بريفوست عن الحاجة إلى مزيد من الحوار بين كل “مؤتمر أسقفي” لمناقشة بركات الأزواج من الجنس نفسه وتطبيقها بطريقة تتماشى مع الاختلافات الثقافية في جميع أنحاء العالم، حيث لا يزال بعض الدول يُجرّم المثلية الجنسية.

وقال بريفوست: “كان الأساقفة في المؤتمرات الأسقفية في إفريقيا يقولون في الأساس إن واقعنا الثقافي هنا في إفريقيا مختلف تماماً… لم يكن رفضاً لسلطة روما التعليمية، بل كان القول إن وضعنا الثقافي يجعل تطبيق هذه الوثيقة غير مجدٍ. وعليكم أن تتذكروا أن هناك أماكن في إفريقيا لا تزال تطبق عقوبة الإعدام، على سبيل المثال، للأشخاص الذين يعيشون في علاقة مثلية… لذا، فنحن في عالمين مختلفين تماماً”.

وفي تقرير يُقيّم آراءه بشأن الأزواج المثليين، استشهدت صحيفة “نيويورك تايمز” بتصريح للكاردينال الأميركي عام 2012، أعرب فيه عن استيائه من الطريقة التي تُعبّر بها وسائل الاعلام والثقافة الشعبية عن “تعاطفها مع المعتقدات والممارسات التي تتعارض مع الإنجيل”.

هذه بعض من التحديات التي سيواجهها البابا لاوون الرابع عشر، وسيراقب العالم ليرى ما إذا كان سيسير على خطى البابا فرنسيس، أم سيُغيّر مسار أولويات المجتمع الكاثوليكي جذرياً كما فعل سلفه. لكن ما يُجمع عليه كثيرون أن البابا الجديد هو معتدل ويأتي في مكانة وسطيّة بين المحافظين والليبراليين في الكنيسة.

شارك المقال