بعد الانتخابات… رسالتان من طرابلس: الأولى للسياسيين والثانية من المحافظ!

إسراء ديب

عاشت طرابلس يوماً انتخابياً أقلّ ما يُقال عنه إنّه “غريب وعجيب”، فهذه المدينة الكبيرة، كان يتوقّع منها السياسيّون كما المتابعون أنْ تكون نسبة الاقتراع فيها كبيرة، لكنّها لم تتخطّ الـ 26 بالمائة أساساً، الأمر الذي ضرب بتوقّعاتهم “عرض الحائط”، لأنّ الكثير من الطرابلسيين قاطع هذا الاستحقاق، في خطوةٍ لم تكن محسوبة أو متوقّعة أبداً، لكنّها تحمل رسالة منهم إلى السياسيين والقائمين على شؤونهم، وعنوانها: لا ثقة بكم بعد اليوم.

إنّ الطرابلسيين الذين كانوا يُلبّون نداء السياسيين خلال الاستحقاقات الماضية، لم يتمكّنوا من اتباع النّهج عيْنه هذا العام، مع العلم أنّ خطوة المقاطعة ستُرتب عليهم وعلى حقوقهم الكثير من الانعكاسات السلبية، لكنّهم لا يُفكّرون إلّا بمللهم من تكرار الوعود نفسها، من دون تحقيق إنجازات في مدينتهم التي عانت الأمرّيْن خصوصاً بعد آخر استحقاقيْن بلدييْن وسط الكثير من الخلافات بيْن الرّئيس والأعضاء أنفسهم، ما ضيّع “بوصلة” الإنماء.

منذ الصباح، ازدحمت منطقة البداوي تحديداً بالكثير من النّاخبين، وكذلك في جبل محسن، أمّا طرابلس فازدحمت بالخيم، المندوبين والصور أكثر، وعند الساعة الثامنة صباحاً، بلغت نسبة الاقتراع في طرابلس التي تبلغ 265121 ناخباً، 0.03 بالمائة فقط (أيّ 91 ناخباً في كلّ القضاء)، خلافاً للكورة (0.34) أو عكّار (0.17)، وبالتالي إنّ هذه النسب المتراجعة، دفعت الكثير من المواطنين إلى “التحسّر” على غياب “تيّار المستقبل” عن المشهد ولأوّل مرّة بعد أعوام، لكن مع اقتراب إقفال الصناديق (قبل الساعة السابعة بقليل)، وصلت نسبة المشاركة في طرابلس إلى 24.06% فقط، (63799 مقترع)، بعدما كانت 19%، وقد ارتفعت النّسبة خلال الدقائق الأخيرة.

يُمكن القول، إنّ أهالي طرابلس أبدوْا اهتماماً بالاستحقاق الاختياريّ أكثر بكثير من البلديّ، ومع أنّهم ينتظرون نتائج الحسم البلديّ، إلا أنّهم تابعوا بدقّة مصير “المختارية” شمالاً، لأنّهم يروْن أنّ المختار أقرب إليْهم من أيّ عضو في المجلس، كونه يُشكّل صلة وصل بيْنهم وبين الدّولة، الأمر الذي يدفعهم إلى التمسّك به والتحسّر عليْه لا سيما في مختارية التبانة، حيث اشتدّ الاقتراع العلوي لتحصد الطائفة 8 مخاتير، بمقابل 6 سنّة (حتّى اللحظة) وذلك بسبب تراجع نسبة الإقبال السنّية، وبالتالي فإنّ هذا الواقع الطرابلسيّ الذي ينسحب على تراجع الإقبال المسيحيّ، يختلف عن أيّ بلدة أو مدينة شمالية أخرى تتمسّك بتحسين مجلسها البلديّ وتطويره لأنّه يُقدّم خدمات لها، خلافاً للمجلس في طرابلس الذي يستمرّ من دون تقديم خدماته للمواطن، حتّى أنّ البلدية في الفيحاء، لم تكن تخدم نفسها، والدليل أنّه بعد الحريق الذي تعرّضت له منذ العام 2021 بفعل فاعل، عجزت عن ترميم نفسها حتّى اللحظة.
الاستحقاق في طرابلس والشمال عموماً، لم يخلُ من المشكلات، وفي عاصمة الشمال تحديداً، ظهرت مشكلة إدارية منذ السابعة صباحاً، بحيث تخلّف عدد من الموظفين عن الحضور، ما حال دون تسليم الصناديق، لكن وزير الدّاخلية أحمد الحجّار استدعى موظفين آخرين، مؤكّداً أنّ المشكلة مادية لا سياسية، وفي هذا السياق، جاء موظفون من مناطق لبنانية عدّة حتّى من الجنوب، لكن لم يتم تأمين مأوى لهم أساساً، وهي شكوى رُفعت إلى الوزير، ولولا بعض المبادرات لكان “تبهدل” المندوب، وفق المتابعين.
المخالفات التي سجّلتها القوى الأمنية كانت كثيرة إدارياً، وعلى الرّغم من تسجيل بعض حالات الفوضى، إلا أنّ الضربة الأكبر كانت من محافظ طرابلس والشمال رمزي نهرا، الذي لم يُعطِ توقيعه، ختمه وموافقته على تصريحات خاصّة بمندوبي خمس لوائح (نسيج طرابلس بإلغاء 300 تصريح، لطرابلس ونهضتها، طرابلس عاصمة، للفيحاء، سوا لإنقاذ طرابلس)، وأعطى موافقة للائحة “رؤية طرابلس” أيّ السياسية والمدعومة من النوّاب: فيصل كرامي، طه ناجي (المشاريع)، أشرف ريفي وكريم كبارة، ولوحظ أنّ مندوبي “المشاريع” كانوا الأكثر انتشاراً في كلّ المناطق، خصوصاً في الميناء، الأمر الذي أحدث بلبلة كانت متوقّعة من المحافظ الذي بات مسيطراً على المدينة من دون أدنى شكّ، وهذا التفصيل تكشّف خلال ساعات النّهار، خصوصاً عقب تهكّم المواطنين عليه بعدما أسكته وزير الدّاخلية لدى مقاطعته حديثه علناً، فردّ لهم الصاع صاعيْن، ومنع عنهم التصريحات، ثمّ منع الماكينات الانتخابية من متابعة الفرز كما منع الاعلاميين وعلى الرّغم من حيازتهم التصريح الرسميّ، من دخول قصر العدل.

وما يزيد الطين بلّة، أنّه على الرّغم من ضعف نسبة الاقتراع، تأخّرت عملية الفرز وإصدار النّتائج، وبعد الرصد، فإنّ عملية تسليم الصناديق تأخّرت إلى الساعة 11 مساءً، الأمر الذي يطرح علامات استفهام حول صحّة النّتائج، خصوصاً بعد منع المندوبين والمسؤولين من متابعة تفاصيل الفرز، وتساءل أحدهم: “إنْ كانت نسبة الإقبال ضعيفة ولم تصدر النّتائج سريعاً كجبل لبنان، فماذا سيفعلون لو تخطّت الـ 40 بالمائة كعام 2016؟”.

ما يجري في صناديق الاقتراع، يُشبه ما حدث في العام 2010 حسب ما يُؤكّد المتابعون، بحيث “طُرد المندوبون من قصر العدل الساعة الواحدة صباحاً، وحينما أراد بعضهم الاعتراض، لم يجد المحافظ في مكتبه، وتأخر إعلان النتائج التي أُعلنت بعدها بصورة مفاجئة”،

ويُحذّر بعض المندوبين سابقاً، من التلاعب بنتائج الانتخابات، لأنّ التأخير والمماطلة يعنيان التزوير والغش.
إلى ذلك، لم تخل المشاركة الديموقراطية التي سجّلت فيها المدينة النّسبة الأدنى، من الحديث عن الرشاوى الانتخابية التي قيل إنّها وصلت إلى 40 دولاراً على الشخص الواحد في الميناء، لكن معطيات “لبنان الكبير” تُؤكّد أنّ المبلغ نفسه، كان يُوزّع فعلياً، ولكن في منطقة وادي النّحلة، حيث أكّد أحد أبناء المنطقة، أنّ شخصيْن تلقّيا حوالي 200 ألف دولار لتوزيعها على النّاخبين، وعوضاً عن توزيع مبلغ “محرز” لهم، وزّعا على كلّ ناخب 40 دولاراً فقط، ما دفعهم إلى تسلمها، والاقتراع بورقة بيضاء.

شارك المقال